وهذه الآية تناقش أخطر قضايا فقه الدعوة: فالذين آمنوا هنا لا تعني كفر من عصي وشرب، لكنها تعني إيمان من أطاع! وهذا هو حد الارتباط بين مصطلح الإيمان وعلاقته بالواقع العملي للدعوة والسمع والطاعة فيها .. أن تكون الطاعة إيمانا دون التكفير بالمعصية، إلا أن تكون المعصية نفسها كفرًا.
ورغم الطاعة .. قد يكون الضعف، فالطاعة والإيمان يكون معهما معالجة الطبيعة البشرية الضعيفة: {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} .
والمتكلمون هنا هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر والابتلاء به، الذين ثبت استعدادهم للموت .. لم يصطدموا بالحرص على الحياة .. ولكنهم اصطدموا بواقع المواجهة الصعب!
نحن مستعدون للموت .. ولكننا قلة!
وتجاوز هذه الظروف يتطلب مستوى أعلى من تجاوز الابتلاء بالنهر، وهنا يظهر أهل النصر عندما يرتفعون بإيمانهم فوق الظروف .. مستوى اليقين بلقاء الله الذي تعرج به النفس فوق مستوى الواقع: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
لم يصل إلى مرحلة القدرة على القتال إلا من تجاوز مشكلة الزعامة .. ثم بلاء النهر .. ثم بلاء الصدام ولقاء العدو!
وذلك بالتجرد من حب الإمارة، وهو أشد حظوظ النفس ..
والتحكم في الرغبة النفسية الطبيعية في الحياة .. وهي أشد رغبات النفس ..
والإقبال على الموت .. وهو أشد مكروه إلى النفس ..
ليتحقق اليقين في لقاء الله!
وبعد إنشاء الواقع العملي بأبعاده الكاملة .. تنشأ معايير الاختيار الشرعية والعملية بصورة طبيعية، والمثال عليها اختيار داود عليه السلام، وذلك أن داود كان فردا ضمن الذين كانوا مع طالوت، وكان له دور متقدم بين الصفوة ..
مَكَّنَهُ من أن يقتل جالوت، فتميز داود بصورة لم تجعل له قرينًا فكان هو الملك بعد طالوت بصورة تلقائية: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ} .
وقتل داود لجالوت هو اختصار لمعنى التجربة كله، وهذا الاختصار .. مثالٌ منهجيٌ لحقيقة الصراع كما أراده الله ..
فقتل داود الفتى الصغير لجالوت ملك العماليق يدل على قدرة الله المطلقة، ولذلك يقول سيد قطب: «وداود كان فتى صغيرا من بني إسرائيل. وجالوت كان ملكا قويا وقائدا مخوفا .. ولكن الله شاء أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها, إنما تجري بحقائقها. وحقائقها يعلمها هو. ومقاديرها في يده وحده. فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم, ويفوا الله بعهدهم. ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير , ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف .. يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم .. وكانت هنالك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله؛ فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت, ويرثه ابنه سليمان , فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل، جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود.
{وَآَتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} ..
ونمضي مع القصة .. فإذًا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله, التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء, وتستمد قوتها كلها من إذن الله, وتستمد يقينها كله من الثقة في الله, وأنه مع الصابرين .. إذًا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة , الثابتة , التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته , مع ضعفها وقلتها .. إذًا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة.