الصفحة 42 من 164

فيقولون: نعم فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: نعم فيفتح لهم».

ولعلنا نلاحظ عبارة هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على أن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أساسًا للفتح، ومن هنا قدم البخاري من خلال أبواب كتاب الجهاد صورة وصفية لكل تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وكأننا نراه ليقترب المسلمون من رؤية الرسول ليتحقق في المسلمين أمرًا يعينهم على فتح الله لهم.

وإن كانت البقية التي تركها آل موسى وآل هارون هي التابوت فيه السكينة من الله .. فإن ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كتاب الله وسنته: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي» .

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ} .. لم يكن هناك فارق زمني بين اختيار طالوت زعيمًا وبين فصله بالجنود، ولذلك لم تذكر الآية إعلان اتفاق الأتباع على زعامة طالوت، بل جاء مباشرة الفصل بالجنود -الخروج بهم إلى القتال- فإن أخطر ما يواجه الزعامة أن يعيش الأتباع في فراغ من العمل ولو لوقت ضئيل .. !

وأخطر مشاكل الدعوة هي جمع الأتباع دون وجود الخطط المتفق عليها للعمل، ولابد من تطور العمل لأن الأتباع لا يقنعون إلا بالعمل، ولا يقتنعون بعد العمل إلا بعمل أقوى منه: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}

فالابتلاء بالنهر جاء بعد الفصل بالجنود، وهنا يتبين الفهم الصحيح لمرحلة التربية .. أن تكون من خلال الواقع، وفي إطار المواجهة والواقع القتالي، وفي هذا الواقع يكون البلاء ..

وتأتي حقيقة التوازن بين الصبر على البلاء .. والثبات على الحق والطاعة .. من ناحية، واعتبار الطبيعة البشرية .. من ناحية أخرى!

فكان مقتضي الصبر على الطاعة هو: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}

وكان اعتبار الطبيعة هو {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}

فيدخل في تحقيق التوازن في التربية: العدل بين الأتباع ..

لأن الاحتياج إلى الماء سيكون بقدر حجم الجسم، ومعيار حجم الجسم هو حجم اليد، ولذلك كان الأمر بالشرب بغرفة اليد، وهو ما جاء في نص الأمر: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} ..

ولما كان البلاء هنا هو اختبار الاستعداد للموت .. كانت طبيعة البلاء من جنس طبيعة الهدف منه، فكان الامتناع عن شرب الماء وهو سبب الحياة .. اختبار في القدرة على التضحية بهذه الحياة: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} ..

وفي ذلك يقول سيد قطب:

«شربوا وارتووا. فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده, تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم. انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم. وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف , لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة. والجيوش ليست بالعدد الضخم , ولكن بالقلب الصامد , والإرادة الجازمة , والإيمان الثابت المستقيم على الطريق» [1] .

{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ} ..

(1) في ظلال القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت