وإثبات إمكانية الزعامة المفروضة هي أول أسباب تحقيق القناعة: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ} وهما عنصري الزعامة ..
فالناس يحتاجون إلى العلم الصحيح ويحتاجون إلى صاحبه، وتكون له الولاية عليهم، وكذلك يحتاج الناس إلى العمل ويحتاجون إلى صاحب القدرة عليه ..
ولا يؤثر في الأتباع ويضمن ولاءهم إلا العطاء العلمي والقدرة العملية:
العطاء العلمي الذي يجده الأتباع في زعيمهم فيتحقق لهم الإيمان بأنهم على الحق في كل موقف وفي كل خطوة ..
والقدرة العملية في تحريكهم إلى العمل بمقتضي هذا الحق ..
وبتحقيق الولاء للزعامة السياسية بخصائصها وقدراتها الذاتية والنفسية والسلوكية في شخص الزعيم .. ينقطع طمع كل واحد فيها لتبدأ مرحلة تقييم هذه الزعامة التي فرضت عليهم: {وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
والإيمان بأن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء هو الأساس النفسي الذي تتحقق به المعالجة .. وهذا الترتيب له تفسيره:
فالأمر الأول هو فرض الزعامة الذي سينهي الطمع فيها ..
لتنتقل النفس بعد اليأس منها إلى تقييم من استحقها دونهم ..
فيأتي الأمر الثاني وهي بالإمكانيات واقع ثابت في الزعيم المختار يصعب على الإنسان ادعائه لنفسه، ليأتي الاختصاص الذي لا حيلة لأحد فيه: وهو المشيئة الإلهية ..
واعتبار الكفاءة في اختيار الزعامة يعني أن القدرة على تحقيق الهدف الإسلامي هو المعيار الأساسي للاختيار، وأن المقارنة بين أصحاب الفكر النظري وأصحاب القدرة على تحقيق الهدف الإسلامي الصحيح عمليًا يجب أن تكون لصالح أصحاب هذه القدرة العملية.
وكل ما سبق قد لا يكفي النفس للتسليم بالزعامة، فيدخل إلى النفس أن كل هذه الاختصاصات غير كافية إذا كان الأمر متعلقا بمصير الأمة ..
فترغب النفس بعد ذلك إلى الاطمئنان إلى صواب الزعامة وإمكانية تحقيق النصر بها، فتنتقل الآيات لمتابعة المشكلة: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
التابوت حقيقة محسوسة ملموسة للاطمئنان ..
والتابوت نفسه جعل الله فيه السكينة ..
وكان التابوت كافيًا .. ولكن طالوت أتي بالتابوت {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ} ليكون الارتباط القدري الشخصي بين نبي الأمة ونصرها هو ما تعنيه البقية ..
ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة هذا الارتباط باعتبار أن امتداد صلة الأمة بالنبي هي أساس الفتح فيقول: «يأتي على الناس زمان يغزون، فيقال: فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح عليهم، ثم يغزون فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» البخاري في صحيحه.
وفي رواية أبي داود: عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يأتي على الناس زمان - فيغزو فئام من الناس. فيقال لهم: هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟