الصفحة 40 من 164

[آل عمران:27] ..

بهذه القاعدة نعيش الواقع ونخوض التجربة ..

وتبدأ الآيات بالتحديد الزمني للتجربة .. ملأ من بني إسرائيل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ}

والتحديد الزمني {مِنْ بَعْدِ مُوسَى} كان ضروريًا، لأن آية الملك ستكون بقية مما ترك آل موسى وآل هارون ..

ولكن الأمر يتطلب الاطمئنان إلى مصداقية هذا الطلب: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} ..

ولكن أصحاب الطلب يثبتون أهميته: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} ..

إجابة مقنعة .. فعندما يكون الإخراج من الديار والأبناء .. لابد أن يكون القتال، ومع ذلك فقد يكون الإخراج من الديار والأبناء، ولا يرون وجوب القتال بل يحاربون أهله ..

حالة تجاوز فيها هؤلاء الناس حد الطبع الإنساني بالغيرة على العرض والأهل .. فمسخوا وغابوا عن الوعي والطبع، فلما كتب عليهم القتال بعد مطالبتهم به .. لم يواصلوا الطريق الواجب: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} ..

ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة والاندفاع الفائر في نفوس الجماعات ينبغي أن لا يقف عند الابتلاء الأول .. فإن أكثرية بني إسرائيل هؤلاء قد تولوا بمجرد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم ..

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} وكلمة «بَعَثَ» تدل على أن نشأة الإمارة في مثل هذا الواقع قضية قدرية خالصة، لأن المعايير اللازمة للإمارة غير قائمة في واقع الفراغ، وهذا لا يعني إلا اللجوء إلى الله والاستعانة به في أن يبعث من تجتمع حوله القلوب، بدلا من الهروب وإسقاط واجب الجماعة والاتجاه نحو العزلة ..

كما أن كلمة «بَعَثَ» تدل على أن الزعامة في مثل هذه الظروف ارتفاع بمستوى شخص من قدرها الله له فوق انحطاط الواقع، والخروج به عن سياق الضعف والتخبط.

وبمجرد بعث طالوت بدأت مشكلة الصراع على الزعامة ..

وقد يتبادر إلى الذهن أنه ما كان لهذه المشكلة أن تظهر في مثل هذه الظروف، ولكن هذه المشكلة تفرض نفسها على كل الظروف، وتلك هي خطورتها، مما يقتضي التعامل معها باعتبار تلك الخطورة: {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ}

جميعهم قالوا .. كل واحد منهم قال ..

كل واحد منهم كان يتصور أنه أحق بالزعامة ..

وفهم هذه المشكلة هو الذي يحقق التعامل الصحيح معها، وأول قواعد هذا التعامل هو فرض الزعامة كأمر واقع: {قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} ..

ثم تحقيق القناعة النفسية بالزعامة بعد فرضها ..

وترتيب الآية في تفسير المشكلة هو نفسه ترتيب مواجهتها .. الفرض ثم القناعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت