الصفحة 39 من 164

حيث قال لقومه من الأنصار: «يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله، وموتوا على ما مات عليه» .

وإشاعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسجل درسًا هامًا في قضية الزعامة السياسية، إذ قدر الله سبحانه هذه الإشاعة لينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حي، ليخبرهم ما يكون إذا مات الرسول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144] .

ويموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمثل موقف الأمة في موقف عمر وأبي بكر ..

عمر لا يصدق ويقول: محمد ذهب ليلقى ربه وسيعود ..

وأبو بكر يستوعب الموقف ويقف خطيبًا ويقول كلمته المشهورة: يا أيها الناس! من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا الآية، فيقول عمر: وكأني لم أسمعها من قبل!

فخاطبت الآية الأمة بعد وفاة رسولها صلى الله عليه وسلم {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} .

وهذه العقيدة نتعامل بها مع زعمائنا في حياتهم وعند مماتهم وغيابهم، فإذا غاب منا زعيم وقلنا: «إنا لله وإنا إليه راجعون» أخلفنا الله خيرا منه ..

فلا يجب أن تتجاوز الصدمة حق العقيدة، ولا تؤثر في هذه المسلمات ..

والله سبحانه الذي صنع هذا الزعيم وأقدره على الوصول لهذه المكانة بيننا .. قادر على أن يخلفنا فيه خيرا.

طالوت .. درس في الزعامة:

وهناك تجربة قرآنية تاريخية في قضية الزعامة .. هي قصة طالوت، التي عقب الله عليها بقوله سبحانه: {تِلْكَ آَيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ} [البقرة: 252] لنفهمها درسًا منهجيًا باقيًا لأتباع المرسلين ..

والبداية هي تفسير حقيقة الموت والحياة:

والاستعداد للموت .. أساس الفهم الصحيح، والحركة الصحيحة، ولذلك تبدأ الآيات بمعالجة هذا الإحساس بحقيقة أن الحرص على الحياة لا يبقيها، والخوف من الموت لا يمنعه، وهذه هي الحقيقة في المعالجة: {الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا} [البقرة: 243] .

أماتهم الله وهم حريصون على الحياة، وبعد أن ماتوا وفقدوها .. أحياهم الله .. !

وبعد فهم قضية الموت والحياة .. يكون القتال في سبيل الله أمر سهل: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ..

وعندما يكون الاستعداد للموت يكون الاستعداد للبذل .. سنة نفسية ثابتة، ومعيار سلوكي صحيح: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

والله يحي ويميت .. ويقبض ويبسط: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت