الصفحة 38 من 164

وأقوى ما تتمثل فيه القوة الشخصية للزعيم السياسي هو قدرته على مواجهة جماعته ذاتها في حال الوقوع في خطأ جماعي يجب تصحيحه، والدليل على هذه الحقيقة ما كان من موقف موسى مع قومه بعد عبادتهم العجل، الأمر الذي لم يستطعه هارون، وما كان في غزوة أحد: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .. أي: بسبب عصيانكم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة ..

أو في حال اتخاذ قرار يراه صوابا ولا يشاركه في هذه الرؤية أحد غيره، مثلما كان من أبي بكر في حرب الردة، وهذه الحالة لا تعتبر استبدادًا:

لأنها تستند إلى أساس شرعي ..

ولأن القرار كان بعد المشورة ..

ولأن العلاقة النفسية بين الجماعة والأمير كانت قوية بالدرجة التي تجاوزت بها الجماعة هذا الموقف، فاقتنعت بالرأي بعد ثبات أبي بكر عليه، ولذلك يقول عمر: (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) [1] .

وأساس القوة الشخصية هو إيمان صادق يتعرف به الزعيم السياسي على مصلحة الدعوة بكل كيانه ومواهبه ..

وربانية تحميه من أي تناقض بين إنسانيته والحق الواجب .. وبصيرة تثبُتُ بها الغاية في فؤاده .. وعلمٌ يمنعه من الغفلة عن الواقع وطبيعة الأمور، تخطر له الفكرة ويلهم الأمر، ويلازم الصواب ..

يعيش قضيته .. يتحرك بجماعته .. ينهض بأمته .. يحيي حضارته.

وبذلك تجتمع في الزعامة السياسية كل العناصر المحققة لمضمون النظرية السياسية، والمحصلة النهائية للممارسة.

وكما كانت صفات الزعامة السياسية أساسًا في تحقيق غاية الجماعة، فإنها هي نفسها أساس حماية الجماعة من أخطار الزعامة .. وأشدها الإحساس بتعلق أهداف الدعوة بهذا الزعيم وارتهانها بشخصه.

ومكمن الخطر هو أن الشروط المحققة للزعامة هي نفسها التي يتسلل من خلالها هذا الخطر .. وخصوصا إذا طال الوقت بهذا الزعيم وكثرت أعماله الساعية إلى تحقيق هدف الجماعة، فينشأ الشعور بأن الجماعة غير قادرة على تحقيق أهدافها بغير هذا الزعيم ..

لقد تنبه عمر إلي هذا الخطر فكان قرار عزل خالد، ليؤمن المسلمون أن الأمر بيد الله وحده .. وفي غزوة أحد «لما تكامل تهيؤ المشركين للانصراف، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجبيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه -وكان النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من الإجابة- ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم-. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله ما يسوءك» [2] .

فنلاحظ في الموقف أن تصور الجاهلية للزعامة -متمثلة في موقف أبي سفيان- يقوم على الأشخاص، وهو ما أكد عليه صاحب الرحيق المختوم بقوله: «ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم» .

قد تمثل في التصور الإسلامي الصحيح لموقف الزعامة موقف أنس بن النضر -في نفس الغزوة- عندما أشيع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم،

(1) رواه البخاري (6/ 2657، 6855) ، ومسلم (1/ 51، 20) .

(2) رواه البخاري وأحمد وأبو داود وابن حبان، والاقتباس من الرحيق المختوم للمباركفوري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت