وقد مر بنا الارتباط بين الفقه والسياسة، وأن الفقهاء كانوا هم المفكرين السياسيين في الأمة.
الثاني: الزعامة السياسية:
الزعامة السياسية تعني باختصار: القدرة الذاتية على اتخاذ القرار السياسي المحقق لأقوى إمكانيات الصواب، وأقصى درجات الاطمئنان النفسي .. يعني «الجانب الإنساني للقرار السياسي» .
ومن مجموع كتب الفكر الإسلامي التراثية والحديثة تتحدد صفات الزعامة السياسية اللازمة لاتخاذ القرار السياسي وأساسها:
-الحكمة، وهي الروية، والتمييز، والورع، وضبط النفس، والشجاعة، والإقدام، سعة الأفق، قوة الحدس والتخمين .. ثم الرأي المتين، بالبحث والنظر في تدابير السلف وتجاربهم.
-الإخلاص الملهم للصواب، والمجبر للخطأ، والمحقق للثواب في كلا الاحتمالين، والمحقق في نفس الوقت للتجرد من الصراعات النفسية والمؤثرات العاطفية.
-الصبر على الشدائد بلا تردد الخائف، ولا تهور المتحمس، والذي يتحمل به المناوأة من المختلفين معه داخل كيانه السياسي، والمتربصين به خارج كيانه، والضاغطين عليه من العقول غير الفاهمة، والنفوس غير السوية ..
-الذكاء المحقق للإحاطة بالقرار وآثاره واحتمالاته وبدائله؛ بدقة ذهنية واستشفاف مستقبلي يستوفي حق التفكير في القرار بأنسب وقت ممكن بحيث لا يكون فيه تعجل .. ولا تردد.
-العلم والخبرة المستخلصة من تجارب الواقع المشابهة للتجربة القائمة لتحقيق كل عناصر الصحة والصواب بأسهل الأساليب، وتحقيق أكبر العوامل المنبهة للتجربة القائمة إلى المزالق والثغرات التي دفع ثمنها أصحاب التجارب السابقة حتى لا يتضاعف الثمن وتتضاءل الحصيلة.
-الشورى الجامعة لأقصى إمكانية الصواب في الرأي.
-العزم الذي يجعل صاحب القرار منطلقًا بقراره بأقصى الاطمئنان الشرعي والحركي والنفسي .. اطمئنانًا يملؤه ويتعداه منه إلى جميع المحيطين به فيطمئنوا كما اطمأن اطمئنانًا واثقًا، بغير غرور يعمي عن الحقيقة، وبغير تردد يضيع الهدف ويحير المشاركين له في الموقف.
-التوكل المعين على خوض التجربة قبل بدئها وعلى تحمل آثارها بعد تمامها.
-الحب والألفة: التي تعين على الاطمئنان لقراره وتخفف من وطأة الخطأ إذا حدث وتعين على تحمل المعاناة المترتبة على الخطأ .. الحب الذي يجعل الجميع يبذل كل ما في وسعه؛ لإنجاح قرار يحبون صاحبه (خَيْرُ أمرائكم من تحبونهم) [1] .
وبصفة نهائية تكون القوة الشخصية .. التي يأخذ بها فرصته الكاملة في اتخاذ قراره، ويتنبه بها إلى المحاولات الطبيعية المصاحبة لكل قرار جديد، والتي يحاول فيها أصحابها نقد أو رفض القرار من المحيطين بصاحب القرار عندما يكون حوله المخلص غير الذكي والذكي الفاقد للخبرة؛ حيث سيترتب على فقد أي عنصر من عناصر الإخلاص والذكاء والخبرة .. محاولة معاكسة لصاحب القرار ..
القوة الشخصية التي ينشئ بها واقعًا جديدًا، ومرحلة جديدة، ومتغيرات بقرارات سياسية تتطلب رجلًا قويًّا ..
(1) رواه مسلم في الإمارة باب وجوب الإنكار على الأمير فيما يخالف الشرع (4/ 12/244 - نووي) ، وأحمد في المسند (6/ 24) عن عوف بن مالك بلفظ: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم» .