الفصل الثالث
الجانب الثالث من جوانب النظرية
الإنسان «المسلم السياسي»
أما جانب «الإنسان» في النظرية السياسية فإنه يتمثل في مصطلحين:
الأول: المفكر السياسي
وذلك باعتبار أن الفكر مهمة إنسانية صادرة عن الإنسان المرتبط بالحق والناظر في الواقع والمدرك للغاية.
لتصبح جوانب الحكمة هي بذاتها عناصر الفكر السياسي.
وبذلك أصبح لزامًا على المفكر السياسي الإسلامي الالتزام بالأساس الشرعي؛ ليكون الحق هو القيمة العليا التي منها وبها تتحدد جميع أبعاد الممارسة السياسية.
وأصبح لزامًا على الفكر السياسي الإسلامي الارتباط بالواقع بجانبيه: الاجتماعي والحركي؛ وذلك من خلال الارتباط بواقع الدعوة، وكذلك من خلال الالتزام بقواعد الحركة لهذا الواقع أيضًا.
وأصبح لزامًا على المفكر السياسي الإسلامي اعتبار قضية الخلافة هي منطلقه الوحيد في بناء وتصور الحقيقة السياسية وذلك على أساس أن الخلافة هي الغاية النهائية للحركة.
وبذلك يُنشئ الفكر السياسي علاقة تفاعل بين التأمل في الحق، الذي يقوم به الإنسان، وهو يحيا في الواقع، لإدراك الغاية.
وإذا كان التأمل يعكس النبوغ الفردي والحساسية الذاتية .. فإن الواقع ترجمة للمعاناة اليومية من خلال الممارسة ..
والاستمرارية الفكرية تفترض التتابع المستمر، والمعاناة المنتظمة، في علاقة ثابتة بين الفكر والحركة؛ حتى تتحقق الغاية.
والمحصلة النهائية لبعدي الحق والإنسان هي تكوين المفكر السياسي.
والذي يجب فهمه هو أن الإنسان المؤمن -صاحب التصور السلفي- هو الذي يملك القدرة -بإذن الله- على أن يكون مفكرًا سياسيًّا.
وافتقاد هذا التصور يعني العجز عن تقديم أي عطاء، بل والعجز عن الارتباط الصحيح بأحداث الأمة، وهناك أمثلة تاريخية لهذا الانفصال:
الغزالي: يعاصر الغزوة الصليبية فلا يعلق عليها ..
الفارابي: يترك الواقع ويعيش مدينته الفاضلة ..
ابن رشد: يعيش مأساة انهيار الدولة الإسلامية بالأندلس، ومع ذلك يحيا تهافت الفلاسفة وغير الفلاسفة .. [1]
(1) هذه الأمثلة نقلا عن حامد ربيع في سلوك المالك.