وتجريد النص من ظروفه .. لاستخلاص حقيقته المطلقة والثابتة [1] هو ما يسمى بـ «الوعي السياسي» .
إذن: الوعي السياسي هو مجموعة الحقائق المطلقة المأخوذة من التحليل السياسي للتراث التاريخي للأمة.
ومن هنا يجب ألا نتعامل مع النص التراثي كمجرد استجابة إلى نوع من أنواع الفضول، إنما من منطلق الحركية العلمية وهي أهم خصائص التنظيم السياسي. والحركة العلمية كخصيصة من خصائص التنظيم السياسي هي التعامل مع النص التراثي بمقتضى مفهوم الحكمة أو التصور السياسي.
نقل الخبرة:
وفي إطار تحليل الواقع التاريخي للدعوة تتحدد أخطر قضاياها تحديدًا سياسيًّا: وهي نقل الخبرة، التي تمتد من التاريخ حتى الواقع القائم للدعوة بكل تجاربها.
وفي نقل الخبرة السياسية من التراث يقول شهاب الدين بن أبي الربيع صاحب كتاب «سلوك المالك في تدبير الممالك» في أول صفات الزعيم السياسي: «الرأي المتين بالبحث والنظر في تدابير السلف وتجاربهم» .
وقضية نقل الخبرة السياسية تمتد من التاريخ القديم وهو التراث حتى التاريخ الحديث والواقع القائم.
والخبرة ترجع في مضمونها إلى التجربة سواء كانت تاريخية أو حديثة.
ولكن التجربة كمصدر للخبرة ليست مجرد إضافة عقلية أو سلوكية ولكنها قبل ذلك مصدر يقين قلبي يجعل من الإضافة العقلية والسلوكية دافعا لمواجهة المواقف واطمئنانا في ممارسة تلك المواجهة.
والأخذ بالتجربة من أهم ضرورات المواجهة مع الجاهلية لسبب عملي واضح وهو أن الجاهلية تجربة واحدة بدأها إبليس بمعصيته واستكباره وسيظل قائمًا عليها إلى يوم البعث.
وهذا معناه أن الجاهلية تاريخ واحد وأن المواجهة من جانبها للإسلام قائمة بخبرة تاريخية كاملة، ولنا أن نتصور بتلك القاعدة مدى التطور الجاهلي في المواجهة عندما يكون العامل الزمني الذي تتطور به هو هذا التاريخ القديم المستمر.
والمواجهة الإسلامية للجاهلية وهي تجربة تاريخية واحدة بتجارب مبتورة معناه فقد أكبر إمكانيات القدرة الإسلامية في تلك المواجهة.
ولهذا تم لقاء مباشر بين موسى رسول بني إسرائيل وبين رسولنا عليهما الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج في السماء.
واستجاب نبينا عليه الصلاة والسلام لنصيحة أخيه موسى ..
واستجاب الله عز وجل لسؤال نبينا صلى الله عليه وسلم بالتخفيف، وأصبحت الصلاة خمسًا بعد خمسين [2] .
وتقييم التجارب الإسلامية السابقة علينا ليست مجرد إضافة خبرة أو زيادة معرفة، ولكنها استمداد للخير من أصله؛ لأن أي تجربة حدثت في مجال الدعوة هي أحداث سبقنا بها دعاة نحن نليهم في استمرار الدعوة.
(1) مثل قصة أصحاب الأخدود التي جردها القرآن وظروفها الشخصية والزمانية والمكانية، وذكرها كحقائق مطلقة ومحققة للوعي السياسي في واقع الدعوة حتى قيام الساعة.
(2) صحيح ابن حبان، كتاب الإسراء، ح50.