والخير على مستوى تاريخ هذه الأمة مرتبط بصفة السبق الزمني بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» [1] .
وصفة السبق الزمني هي التي تعطي للأحداث صفة التجربة.
وهذه مقارنة قرآنية بين فترة ما قبل الفتح وما بعده من خلال الإنفاق والقتال وذلك في قول الله: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10] .
وما سبق يحدد قيمة التجربة على المستوى التاريخي للدعوة، ليبدأ بعده تحديد قيمة التجربة على المستوى الفردي، وأثر التجربة في الداعية بصفة شخصية من خلال عدة نقاط:
أولا: أن التجربة أساس للتربية:
ولذلك رعى كل الأنبياء الغنم قبل ممارسة الدعوة ليتزودوا من خلال تجربة الرعي بصفة السكينة والوقار [2] .
ولعلنا ندرك قيمة الإنسان وخطورة التعامل معه في مجال الدعوة بدون تجربة، من خلال تزود الأنبياء بتجربة رعي الغنم قبل التعامل مع البشر.
ثانيًا: أن التجربة مصدر للثقة:
ولذلك جعل الله موسى يخوض تجربة العصا عندما تصير حية في الوادي المقدس، قبل أن يذهب إلى فرعون:
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 17 - 20] .
ورغم أن موسى ذهب إلى فرعون مزودًا بتلك التجربة فإنه في موقف المواجهة أوجس في نفسه خيفة، فما بالنا لو ذهب بغير تجربة .. ؟!
ثالثًا: أن التجربة ضرورة لليقين:
لأن التجربة واليقين يلتقيان في الواقع؛ إذ إن الواقع هو مجال التجربة ومصدر اليقين؛ ولذلك كانت رؤية زكريا لمريم في تجربة ملموسة للرزق بغير حساب هي مصدر يقينه بإمكانية أن يرزق الولد بعد أن اشتعل رأسه شيبًا:
(1) البخاري (258/ 5) ومسلم (2535) .
(2) روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفخر والخيلاء في أهل الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم» .