الصفحة 28 من 164

في الأرض» [1] .

وإذا كان الإحكام أساس لمعنى الحكمة فإن ذلك يقتضي ألا تطغى مهمة الشهادة أو الحكم على الناس على مهمة دعوتهم وغاية هدايتهم.

كما تقتضي عدم تجاهل مهمة التقييم والحكم والشهادة في واقع دعوتنا لهؤلاء الناس .. وبذلك يتقرر بمقتضى الحكمة أن نكون «دعاة وشهداء» في إحكام بين المهِمَّتين.

البعد التاريخي لواقع الدعوة:

يبدأ الكلام على الواقع التاريخي للدعوة بمناقشة تحقق الامتداد التاريخي الصحيح للدعوة ابتداءً من عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى واقعنا القائم.

وهنا نجد أنفسنا أمام أخطر قضايا التصور السياسي وهي قضية التراث كأساس لتحديد النظرية السياسية الإسلامية بالتعامل الصحيح مع التراث، ابتداءً من مهمة التحليل السياسي للتراث.

التحليل السياسي للتراث:

ومناقشة قضية التراث تكون بالمنطق السياسي ذاته، بمعنى أن التعامل مع كتب التراث لا يكون تعاملًا مع نصوص مجردة، بل يجب ربط النص التراثي بصاحبه وواقعه وهدفه، وبذلك يؤخذ التراث بمنطق الحكمة، حيث يتوفر في التعامل عناصر التعريف الأساسية لمعنى الحكمة: «النص، وصاحب النص، وظروف النص، والغرض منه» .

وبذلك تتحقق مهمة إحياء التراث، وتنبع من طبيعة وحقيقة التصور الصحيح لوظيفة ذلك الإحياء .. أما الاقتصار على الوظيفة اللغوية أو حتى التاريخية فإنه يجعل الإحياء قاصرًا .. !

لكن الإحياء الكامل هو الإحياء بالحكمة، أو الارتفاع بالإحياء إلى مستوى الوظيفة السياسية.

والتحليل اللفظي لنصوص التراث يسمح باكتشاف حقيقة المدركات الكامنة في الألفاظ .. والتحليل التاريخي يحدد الواقع من حيث الزمان والمكان.

أما التحليل السياسي فهو ربط المدرك بالواقع .. والإنسان هو الذي يقوم بذلك الربط فينطبق مفهوم الحكمة على مهمة التحليل.

ولذلك يقول حامد ربيع: «التحليل السياسي للتراث يلغي عنصر الزمان؛ إذ يفرض على المحلل أن يسعى لإدراج التراث في إطار أكثر اتساعًا؛ حيث يصير النص التقاءً بين ماضٍ وحاضر ومستقبل بحيث يكشف الحقائق الثابتة الدائمة وتمييزها عن الأخرى المؤقتة ... » [2] .

ونحن إذ نركز على الإنسان المحلل فإنما يكون ذلك بسبب أن الإنسان نفسه هو الذي يربط بين النص وواقع صاحبه .. وهو الذي قد يضطر إلى تجريد النص التراثي من تلك العوامل إذا كانت نتيجة التحليل هي الوصول إلى حقيقة مطلقة يجب الاستفادة بها مجردة من ظروفها التاريخية.

ومهمة ربط النص بظروفه .. لإدراكه بصورة صحيحة.

(1) البخاري (288/ 3) ومسلم (9499) من حديث أنس.

(2) سلوك المالك في تدبير الممالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت