الصفحة 27 من 164

جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [غافر: 34] .

ومن هنا يجب التعامل مع الواقع الذي تمارس فيه الدعوة بكل هذه الاعتبارات: معرفة طبيعة الناس وتقاليدهم وخصائص موقعهم وتاريخهم.

فعندما تكون الدعوة في مصر -مثلا- يجب الانتباه إلى كل أبعاد هذا الواقع من حيث الطبيعة الإنسانية [1] .

ولكن الجاهلية تحاول منع العقل المسلم من القدرة على متابعة الواقع حتى أصبح هذا المنع أخطر أساليب المواجهة الجاهلية للحركة الإسلامية.

لقد بلغ أمر التعمية السياسية التي يتعرض لها العقل المسلم إلى حد اعتبار أن مجرد متابعة الموقف السياسي هو الحد النهائي الذي يمكن الوصول إليه وأن تجاوز هذا الحد يكون أمرًا مستحيلًا.

وبذلك يصير أهم واجبات الدعوة هو اجتماع كل إمكانيات الحركة الإسلامية بكل اتجاهاتها في مهمة إدراك الواقع ومتابعته، باعتبار أن السياسة وظيفة جماعية .. وأن إدراك الواقع يجب أن يكون هو الآخر وظيفة جماعية؛ ليصبح نظام جمع المعلومات ومتابعة الواقع الجاهلي بكل الوسائل والأساليب لصالح الحركة الإسلامية أهم واجبات الممارسة السياسية للحركة بكل كياناتها. كضرورة أساسية لتحقيق المواجهة اللازمة لكل المخططات الجاهلية ضد الدعوة.

تقييم الواقع الجاهلي:

وقيام الجماعة المسلمة يفرض على المسلم تقييم الواقع الذي قامت فيه؛ لأن التصور الذي لا يصل بصاحبه إلى حد تقييم الواقع لا يصل إلى حد الكمال والصواب.

وتقييم الجماعة المسلمة للواقع الجاهلي له أساسان:

-أساس عقدي يقوم به وجود الجماعة في هذا الواقع.

-أساس حركي تتم به مواجهة الجماعة لهذا الواقع.

أما عن التقييم العقدي فإنه يعد من أبعاد التصور الاعتقادي الذي قامت به الجماعة، وهؤلاء هم فتية الكهف يقول الله فيهم: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا} [الكهف: 13 - 15]

وواضح من النص أن إعلان عقيدتهم بقولهم: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تبعه تلقائيًّا: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} وهو تقييم لواقع قومهم بمقتضى تصورهم.

وقيمة تقييم الواقع الجاهلي لا تنتهي عند اعتبارها شرطًا لصحة الاعتقاد الإسلامي، ولكنها كذلك تكليف شرعي كلفنا الله به باعتبارنا شهداءه سبحانه في الأرض بدليل قوله عز وجل:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله

(1) انظر: شخصية مصر لجمال حمدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت