ومثال ذلك أيضا:
اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم الحبشة لتكون مكانًا للهجرة الأولى قائلًا: «اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد» [1] . رغم مساواته في الكفر مع غيره؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه كان قبل إسلامه.
ومن هذين المثالين يتضح الفرق بين التصور الفقهي المجرد والتصور السياسي؛ فالتصور السياسي يفرق في التعامل بين دولة كافرة ودولة كافرة أخرى، وبين حاكم كافر وحاكم كافر آخر.
ومن التقييم السياسي للواقع يتم التعامل الصحيح معه والاستفادة بطبيعته وخصائصه.
مثل الاستفادة بالطبيعة الاجتماعية وتقاليدها كتقاليد الجوار .. كما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جوار أحد المشركين [2] ، وتقاليد نصرة المظلوم، كما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتماع العرب قبل الإسلام على أن لا يُظلم بينهم أحد، وهو المعروف بحلف الفضول الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دعيت إليه لأجبت» [3] .
وبذلك تكون الاستفادة بالواقع بكل عناصره حتى جغرافية المكان .. ولقد كان موقع غفار في طريق تجارة قريش مانعا لقريش من قتل أبي ذر .. وهذا نص الحديث كما رواه أبو ذر الغفاري:
يقول أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه:
والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقالوا: قوموا لهذا الصبي. فقاموا، فضُربتُ لأموت، فأدركني العباس فأكب عليَّ، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم ... تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار؟! فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا لهذا الصبي. فصُنع بي مثل ما صُنع بالأمس، وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقاله بالأمس [4] .
وكذلك الاستفادة من العلاقات التجارية والموارد الطبيعية وكان موقع أبي ثمامة من أهل اليمامة وموقع اليمامة من أهل مكة مانعا لقريش من قتله، وتقول السيرة: فلما أسلم أبو ثمامة خرج إلى مكة معتمرا، حتى إذا كان ببطن مكة قال: فكأني أول من دخل مكة. أخذته قريش وقالوا: لقد اختبأت علينا. وأرادوا قتله، فقال قائل منهم: دعوه؛ فإنكم محتاجون إلى الطعام من اليمامة. فتركوه، فقال لهم: والله لا أرجع إلى دينكم ولا أرفق بكم فأترك الميرة تأتيكم من اليمامة ولن تأخذوا حبة قمح حتى يأذن لكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم [5] .
والاستفادة من الواقع لا تقف عند حد الحاضر؛ بل تبلغ البعد التاريخي له والارتكاز على تجاربه التاريخية في التعامل مع أهله.
ولقد احتج مؤمن آل فرعون على فرعون احتجاجًا تاريخيًّا صحيحًا عندما قال له: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا
(1) أخرجه ابن إسحاق (1/ 343/ابن هشام) (فتح 7/ 227) .
(2) هذا المشرك هو مطعم بن عدي، وذكر القصة محمد بن عبد الوهاب في السيرة النبوية (ص: 83، 84) .
(3) أخرج أحمد وأبو يعلى وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا: «شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن أنكثه» [10/ 518 - فتح] .
(4) أخرجه البخاري: باب إسلام أبي ذر (7/ 210/3861 - فتح) .
(5) والقصة ذكرها ابن عبد البر في ترجمة ثمامة بن أثال الحنفي (1/ 250) ، والحافظ في ترجمته.