الصفحة 25 من 164

الفصل الثاني

الجانب الثاني من جوانب النظرية

«الواقع»

تحليل الحركة السياسية:

السياسة هي: مراعاة الواقع في إحقاق الحق، واعتبار الواقع في سبيل الوصول إلى الغاية.

ولذلك لا تتم أي ممارسة سياسية صحيحة إلا من خلال الواقع، حتى أصبح هذا الارتباط شرطا في صحتها.

ومن هنا كان ابتعاد العلماء عن الحياة العامة سببًا في جعلهم بعيدين عن السياسة نظريًّا وعمليًّا، وقد سجل هذه الظاهرة المؤرخ ابن خلدون .. فذكر أن العلماء أبعد عن السياسة ومذاهبها؛ والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والخوض في المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن؛ أمورا كلية، ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات.

ويقصد ابن خلدون أن كثيرا من العلماء -لعيشهم مع الكتب- ينظرون إلى الأمور من خلال الكتب، مع أن الواقع الخارجي «الدول وأحوال الناس الاجتماعية والاقتصادية» يكون مغايرا أو محتاجا إلى تدقيق في التفاصيل.

وقد بلغ هذا الخطأ حد اعتبار الغياب عن الواقع شاهدا من شواهد التعمق في العلم ..

وقد ترتب على غياب العلماء عن الواقع أخطاء فادحة في تنزل الأحكام الشرعية على الواقع، حتى بلغ الغياب عن الواقع ببعضهم أن اعتبر الحكام المعاصرين «المبدلين للشريعة» .. مثل بعض الحكام الظالمين من الدولة الأموية أو العباسية.

فالسياسة -كما يقول ابن خلدون- تحتاج إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال فإنها خفية ..

هذا إذا كانت السياسة بمعنى معرفة الواقع تماما ومحاولة للنهوض بالمسلمين من خلال هذه المعرفة إلى الدرجة التي يريدها الإسلام، أما إذا كان المقصود بالسياسة المراوغة والاحتيال وإتقان فن المداهنة والنفاق فلا [1] .

والإطار الواقعي للنظرية السياسية يتحقق مقتضاه في الممارسة من جانبين: الواقع الذي تُمارس فيه الدعوة، والبعد التاريخي لهذا الواقع.

الواقع الذي تمارس فيه الدعوة:

حيث تتم الممارسة من خلال التقييم السياسي للواقع، وهو التصور الذي يختلف عن التحديد الفقهي المباشر في الحكم على هذا الواقع ..

مثال ذلك: التفريق بين الروم والفرس باعتبار أن الروم ينتسبون إلى دين سماوي والفرس مجوس؛ مما جعل المسلمين يفرحون لنصر الروم رغم أن الحكم الشرعي في الدولتين هو الكفر.

(1) أي فليست هذه الأمور هي المقصودة بالسياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت