الصفحة 23 من 164

والإطار الأساسي لهذه الحركة هو: التبليغ بالكلمة، واستخدام القوة، وقيام السلطة؛ وبذلك يتحدد إطار الحركة الصحيحة التي تنشأ من خلالها العلاقة الجدلية الصحيحة مع الفكر.

ومعنى هذا التحديد: أن أي كيان لا يتبنى أسلوب التبليغ وإقامة الحجة ورفع الالتباس وتصحيح المفاهيم وأسلوب المواجهة القوية الهادفة إلى إقامة السلطة الإسلامية .. أي كيان لا يتبنى هذه الأساليب يكون خارجًا عن إطار التحديد السياسي للحركة ..

وليكن معلومًا أن الخلل في العلاقة بين الفكر والحركة خطر عظيم يسبب الفتنة في مرحلة الحركة والجماعة، ويسبب الانهيار [1] في مرحلة الدولة.

وفي هذا الصدد يجب التنبيه على خطر الاستغراق في التقارير والدراسات والبحوث والندوات والحوارات التي يناقش فيها الغرب موضوع الحركة الإسلامية حتى لا يكون ذلك على حساب المواجهة العملية.

كما يجب التنبيه على خطر الانفصال عن الواقع بزعم ضرورة العلم قبل العمل، وليس هذا معناه التقليل من قيمة العلم؛ بل معناه إدراك حقيقة العلم في واقع الدعوة الذي يكون بالعمل والمواجهة «من عمل بما علم .. رزقه الله علم ما لم يعلم» [2] .

وأبرز قضايا العلاقة الجدلية بين الفكر والحركة هي: قضية المرحلة المكية والمدنية، وتفسير تلك العلاقة من أساسها.

وهذه القضية لها عناصر يجب إدراكها ابتدًاء:

-أن مرحلة الدعوة بعد تمام نزول القرآن تجاوزت المرحلة المكية والمدنية شرعًا.

-أن اعتبار الدعوة في مرحلة مكية أو مدنية بعد ذلك يكون باعتبار الحركة وظروفها.

فإذا كانت ظروف الدعوة تماثل المرحلة المكية اعتبرناها مرحلة مكية، وإذا كانت ظروف الدعوة تماثل المرحلة المدنية اعتبرناها مرحلة مدنية، ومارسنا تطبيق الأحكام المنهجية لكل مرحلة.

وعندئذ نكون ملزمين بدراسة علة الاختلاف المنهجي بين المرحلتين من حيث الواقع.

وبمجرد البدء في الدراسة نجد أن الحد الفاصل البين في هذا الاختلاف هو حد القدرة والاستطاعة.

فإذا كان الأصل في الدعوة هو الإعلان فإن عدم القدرة عليه يجعلنا نمارس حكما منهجيًّا مكيًّا وهو السرية.

وأهم مثال عن الإعلان وإظهار الدين باعتبار القدرة: هو جواز إقامة الجمعة والجماعات في غير ديار الإسلام.

فبالرغم من أن إقامة الجمعة التي تحدد لإقامتها شروط فقهية مباشرة: أن تكون الدار التي تقام فيها الجمع هي دار الإسلام؛ فإنها تقام في غيرها من باب الجواز إذا كان هناك قدرة على إقامتها.

ولا يحتج لعدم إقامتها بانتفاء الوجوب لانتفاء الشرط الفقهي؛ لأن إقامتها باعتبار القدرة يكون من باب الجواز .. مثل إقامة الجمعة للمرأة والغلام والعبد من باب الجواز عند القدرة، رغم عدم الوجوب بالنسبة لهم؛ لانتفاء شروط وجوبها عليهم.

(1) والمثال التاريخي على ذلك: انهيار الدولة العباسية، حيث كان النضوج الفكري والانهيار السياسي في نفس الوقت.

(2) سنن الدارمي، المقدمة، باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، ح382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت