يقول ابن إسحاق: إن وفد هوازن بالجعرانة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنُن علينا، منَّ الله عليك.
قال: وقام رجل من هوازن -أحد بني سعد بن بكر يقال له زهير يكنى أبا صرد- فقال: يا رسول الله! إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟» فقالوا: يا رسول الله، خيَّرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل تُردُّ إلينا نساؤنا فهو أحب إلينا، فقال لهم: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم» .
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .
وفي رواية: «فقال الناس: قد طبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لنعرف من رضي منكم ممن لم يرضَ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» [2] .
فَرَدُّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن. فإنه أبى أن يرد عجوزًا صارت في يديه منهم، ثم ردَّها بعد ذلك، وكسا رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي نبطية قبطية».
ولعلنا نلاحظ خطة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الموقف، وأنه قائم علي اعتبار كبير لرأي عامة المسلمين بدليل طلبه لهوازن: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم .. » .. علمًا بأنه كان يستطيع اتخاذ القرار بإعادة السبي دون الرجوع إلى المسلمين.
ولعلنا نلاحظ ضرورة الاطمئنان إلى صحة إعلان المسلمين لرأيهم وصحة وصول هذا الرأي إليه صلى الله عليه وسلم، فتقول الرواية: فقال الناس: قد طبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لنعرف من رضي منكم ممن لم يرضَ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» فَرَدُّوا عليهم نساءهم وأبناءهم.
وعندما يكون الحديث في أمر العامة فلا بد أن يكون للمتحدث صفات ضرورية ولازمة، أهمها نفي السفه الذي يثبت الحكمة، كما في الحديث: «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات يُصدّقُ فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة» قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» [3] .
وكما تحددت صفة المتحدث في أمر العامة يتحدد مصطلح العامة نفسه.
ومصطلح العامة المسلمة يتحدد بانتفاء صفة الهمج الرعاع، وحديث علي بن أبي طالب يبين الصفة الأساسية للهمج الرعاع: «الناس ثلاثة: عالم
(1) رواه أحمد في مسنده، ورواه البيهقي في الدلائل (5/ 197) ، وذكره ابن هشام في السيرة (4/ 135) .
(2) لاحظ اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصول رأي الناس بطريقة صحيحة.
(3) صحيح: أخرجه أحمد وابن ماجه ومالك عن أبي هريرة.