الصفحة 16 من 164

إن أكبر دلائل البعد عن الحق هو التفاف الخط السياسي حول منحنيات الواقع والالتواء فوق عقباته، وكذلك التلون بلون كل زعامة جديدة والاصطباغ بصبغتها.

وقد قدمت الفترة الإسلامية الأولى نموذجًا لهذا الثبات:

ابتداءً من أخطر مستويات المواقف السياسية، مثل إصرار أبي بكر الصديق على جعل أسامة بن زيد على رأس الجيش الذي جهزه الرسول صلى الله عليه وسلم واختار أسامة لقيادته .. وانتهاءً بأبسط مستوياتها، مثل المرأة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: أعطني [1] .

(2) المفاصلة الفكرية بين السياسة الإسلامية والجاهلية:

وكنتيجة للتقابل بين النظرية الإسلامية والجاهلية أصبح لكل نظرية مصطلحاتها، وأصبح التقابل بين مصطلحات كل نظرية يمثل أخطر معالم الصراع بين الإسلام والجاهلية، كما أصبح لهذا الصراع عناصره الثابتة:

-تقييم كل طرف بمصطلحات الطرف الآخر.

-فرض كل طرف لمصطلحاته كدلالة على قوته وغلبته في الصراع.

-محاولة الخلط بين المصطلحات الإسلامية والجاهلية لتغييب التصور الإسلامي السياسي الصحيح.

(أ) معركة المصطلحات السياسية:

وأساس المعركة هو تحديد النظرية السياسية بمناهج ومصطلحات غربية. والمثال التاريخي على ذلك تحليل كل ظواهر الدعوة الإسلامية بالمناهج الغربية، وهذا التحليل ليس مجرد محاولة للمعرفة ولكنه التفاف حول الدعوة ووضعها في ميزانهم الفكري والمنهجي، وإعطاء الانطباع بأنها ظاهرة خاضعة للدراسة ومحكومة الاحتمالات، وهي فكرة شيطانية قديمة حاولتها أقوام جاهلية سابقة منذ هود صلى الله عليه وسلم؛ حيث حاولوا تفسير الرسالة والدعوة بأنها مجرد إصابة من الآلهة ولا تخرج عن حدود ذلك وليس هناك تفسير غيره: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ .. } .

ولكن الموقف الصحيح هو فرض واقع الرسالة عليهم بأن يدخلهم معه في شهادته عليهم بالبراءة من الشرك.

فبدلا من أن تدخل الرسالة في ميزانهم .. أدخلهم هم في ميزانه: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] .

إن تفسير الوحي والرسالة هو أن بعض آلهة الجاهلية أصابت النبي بسوء!!

وهذه المعركة موضوعها الرئيسي محاولة الجاهلية وضع الطرف الإسلامي في ميزانها التصوري، مثلما كانت الشيوعية تفسر الحركة الإسلامية تفسيرا ماديًّا، وأن الصراع بين الإسلام والجاهلية صراع طبقي.

(1) « .. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن جاءني مال لأعطينك هكذا (بيديه) وهكذا وهكذا، فقالت: يا رسول الله .. وإذا لم أجدك؟ وكأنها تعني: إذا مت. قال: ستجدين أبا بكر. قالت: وإذا لم أجد أبا بكر؟ قال: ستجدين عمر. فلما كانت خلافة أبي بكر جاءت المرأة وقالت لأبي بكر ما دار بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تأخذ بيدها مرة واحدة كما وصف لها رسول الله، ثم ضاعف لها العدد ثلاثًا» . أخرجه البخاري في المناقب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذًا خليلًا) (7/ 21/3659 - فتح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت