الصفحة 15 من 164

قال: «يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذَ مِنِّي بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟»

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتله!» قال: فقلت: يا رسول الله .. ! إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» [1] .

وفي إطار العقيدة تكون العلاقة بين الحركة الإسلامية وعقيدة القدر والأسباب، فيدخل الدعاءُ كأقوى أسلحة القتال، ففي غزوة الأحزاب ينظِّم الرسولُ صلى الله عليه وسلم كلَّ أمورِه ويَعُدُّ كلَّ عدته ثم يقول:

«إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، ادعُ الله يا براء أن يهزمهم وينصرنا عليهم» [2] .

ثم يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان البشر يحققون أهدافهم بقوتهم وإمكانياتهم المادية فلسنا مثلهم، فيقول: «إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» [3] .

لأنها دعوة ربانية .. تقوم بالقدر ولها أسباب وسنن [4] .

ومن هنا فإن شيطنة الطرف الجاهلي تعتبر القضاء على عقيدة أهل السنة والجماعة أوَّلَ أهدافها .. لأن عقيدة التوحيد هي القادرة على تربية المسلم وإعداده للمواجهة الصحيحة، وهي القادرة على مواجهة الجاهلية بكل اتجاهاتها، وهي التي يكتب لأهلها الشهادة بإذن الله إذا كان القتل في سبيل الله ..

(ج) القوة:

وهي التي تفرض الحق كمضمون للنظرية والممارسة السياسية، وهي مقتضى الاعتقاد بالمواجهة الحتمية مع الجاهلية، فليست المواجهة فكرة مستنبطة من ممارسة الواقع .. ولكنها حقيقة ثابتة قبل الممارسة، عَلِمَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبدأ دعوته.

وهذا ما أخبره به ورقةُ بن نوفل النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي عليه وقبل أن يعلن دعوته: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ» . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ: «نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا» [5] .

(د) الثبات:

وأهم شواهد انطلاق الممارسة السياسية من الحق هو ثبات الخط السياسي لهذه الممارسة؛ لأن الحق يرفع الممارسة السياسية فوق ظروف الواقع وزعاماته، حتى يبلغ الأمر أن يصبح الخط السياسي هو الذي ينخرط به الواقع وتنتظم به الزعامات.

(1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (95) عن المقداد بن الأسود.

(2) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب الصلح في الدية (2703) .

(3) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَالصَّالِحِينَ في الحَرْبِ، ح2896.

(4) يراجع كتاب «قدر الدعوة» للكاتب.

(5) أخرجه البخاري في بدء الوحي (3212، وغيره) ، ومسلم في الإيمان (160) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت