فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل وجزء من أجزائه، ونحن نسميها «سياسة» تبعًا لمصطلحاتكم وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات» [1] .
(ب) العقيدة:
وهي التوحيد بمرتكزاته الثلاث: «الحكم والنسك والولاء» وهي المرجعية العليا للممارسة السياسية والحركية ونظام الدولة.
لقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم موقف يُعَلِّمُ فيه الأمة قيمة العقيدة والتوحيد في واقع الصراع والمواجهة، وهو ما كان بعد غزوة أحد.
فبعد الغزوة أراد أبو سفيان أن يحقق نتيجة سياسية للحرب، فوقف خطيبًا بين الجموع فسأل: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟
وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم ألاَّ يَرُدَّ عليه أحد، حتى لا يكون في الرد عليه استفزاز يجعله يعاود الهجوم على المسلمين وهم غير مستعدين بعد، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أن أبا سفيان كان لا يريد إلا هؤلاء الثلاثة، وأن عدم الرد سيجعله يشعر أنه قد حقق غايته .. ولكن أبا سفيان قال بعد ذلك: اعلُ هبل!
فتغيرت حسابات الموقف .. أصبحت العقيدة هي الأساس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟» قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ» [2] .
لقد كان حسابات الموقف ألا يرد أحد من المسلمين، ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بالعقيدة لا يكون الصمت.
ففي الوقت الذي كان المسلمون فيه في أشد الحاجة إلى من يشاركهم قتال المشركين يرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا مشركًا يريد القتال معه ويقول له: «ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» [3] ..
وبالتفكير المادي في الموقف كان يمكن قبول مشاركة هذا الرجل.
ويأتي رجل آخر إلى الرسول ويقول: أقاتل أو أسلم؟ فيمنعه الرسول من القتال معه ويقول له: «بل أسلم، ثم قاتل» فبايع وقاتل فقُتل، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» [4] ..
وبالتفكير المادي في الموقف كان يمكن تأجيل البيعة؛ لأن القتال دائر.
وفي وقت القتال تقام صلاة الحرب لتصلي جماعة من المسلمين وتحميها الأخرى .. وبالتفكير المادي كان يمكن تأجيل الصلاة حتى لا يضيع الوقت وتتأثر إمكانات القتال.
وفي القتال يرفع السيف عن كل من قال: لا إله إلا الله، وهذا سؤال يسأله صحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عن المقداد بن الأسود أنه أخبر أنه
(1) السياسة الشرعية لابن القيم، بتصرف (14 - 16) .
(2) أخرجه البخاري (4/ 79، 5/ 100، 126، 6/ 48) .
(3) أخرجه مسلم (3/ 1449، 1817) ، والترمذى (4/ 127، 1558) .
(4) البخاري في الجهاد (24/ 6) من حديث البراء بن عازب.