الفصل الأول
الجانب الأول من جوانب النظرية
«الحق»
(1) شواهد الحق في الممارسة السياسية:
ومن بناء النظرية السياسية تحققت شواهد الحق في الممارسة السياسية ..
وما نعنيه بشواهد الحق: هي تلك الحقائق المُسَلَّمَة التي ندخل بها واقع الممارسة، وهي غير مستنبطة من الخبرة السياسية، كما لا تتجاوزها الممارسة في كل أحوالها، وهذه الشواهد هي:
(أ) المضمون:
سبق القول بأن السياسة هي المفهوم الجماعي للحكمة .. وعلى أساس هذه الحقيقة يكون بناء النظرية السياسية هو الارتفاع بجوانب الحكمة إلى المستوى الجماعي، وذلك بمقتضى الحق.
ويصور الإمام ابن القيم جانب الحق في بناء النظرية، فيقول: «السياسة ما كان فعلًا معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يصنعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي، ومن قال: لا سياسية إلا بما نطق به الشرع فقد غلَّط الصحابة؛ فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن» ...
ويقول ابن القيم: «وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها حق مطابق للواقع ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.
ولعمر الله، إنها لم تنافِ ما جاء به الرسول، وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى أولياء الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة .. أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالِمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك ...
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله ..
وكلا الطائفتين أُتِيَت من قِبَل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط .. وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان .. فَثَمَّ شرع الله ودينه.
والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل من أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء .. ثم ينفي ما هو أظهرَ منها وأقوى دلالةً وأبْيَنَ أمارة، فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه وتعالى بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له ..