والحقيقة أن فهم كتابات سيد قطب لن يكون كاملا إلا بمعرفة عدة حقائق أساسية:
-أن كتابات سيد قطب كتابات دعوية تربوية .. كتبت ليستطيع من يقرأها النطق بما فيها والدعوة إليها وترديدها على أسماع الناس، ولم يكن الهدف منها مجرد تحصيل علمي أو معرفي، وهذا ما يفسر التكرار والتنوع في العبارات الدالة على المعنى الواحد، وهو ما ظنه البعض مجرد أسلوب أدبي.
-كتابات سيد قطب كتابات إنسانية ونفسية، فعندما كان يعرِّف الاستواء على العرش كان يذكر القول السلفي القاطع فيقول: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ..
ولكنه كان أحيانا يعبر عن إحساسه الإنساني تجاه حقيقة الاستواء، كيف يتعامل مع هذه الحقيقة السلفية في الاستواء تعاملًا وجدانيًّا، فيظن المتربصون به أنه يؤوِّل الأفعال والصفات .. !
-كتابات سيد قطب كتابات مواجهة واقعية، فعندما عَرَّف الإسلام بأنه تصورات اعتقادية، وشعائر تعبدية، وأحكام قانونية، وأن الإسلام له ثلاث مرتكزات: الحكم والنسك والولاء .. إنما كان يواجه واقع تحكمت فيه مفاهيم خاطئة؛ منها: أن الإسلام يكون بمجرد القيام بالجانب العقدي أو التعبدي فيه دون الاعتبار لقضية الحاكمية.
ولم تنتبه السلطة الجاهلية في مصر هي الأخرى لخطورة كتابات سيد قطب إلا بعد اكتشاف تنظيم 65، فبدأ الهجوم عليها منذ هذا الوقت حتى الآن!
وقد كان الهجوم السخيف على كتابات الأستاذ سيد قطب سببًا في تعرف الناس عليها، وكان من أول هذه السخافات أن يصدر الاتحاد الاشتراكي العربي كتابا لعبد العزيز كامل وزير الأوقاف يرد على كتاب «معالم في الطريق» بعنوان: «معالم في طريق الخيانة والرجعية» ، يتهم فيه الأستاذ سيد قائلا ومتعجبًا:
سبحان الله! هل يريد سيد قطب أن ينزل الله على الأرض ليحكم بنفسه ..
الشهادة:
من أبرز حقائق الإسلام: حقيقة الشهادة ..
وفهم هذا الدين: هو تحقيق مقتضياته وحقائقه ..
ومقتضى حقيقة الشهادة: الإخلاص والتزام الحق، ويجمعها في الإسلام: «الاستعداد للموت في سبيل الله» .
لأن هذا الاستعداد يستحيل حدوثه في الواقع إلا بالإخلاص والطاعة، ويصبح الاستعداد للموت أقوى أدلة الحق في واقع صاحب هذا الاستعداد ..
ومن هنا جاء معنى الشهادة ..
إن صاحب هذا الاستعداد بذاته أقوى دليل على الحق، وتصبح هذه الشهادة أقوى أسباب الفهم الإسلامي على الإطلاق؛ لأن الفهم بالدليل، والشهيد أقوى درجات هذا الدليل.
وهذا مشرك يقتل مسلمًا فيقول المسلم وهو يُقتل: الله أكبر .. فزت ورب الكعبة، فيسلم المشرك .. بعد أن تلقى من المسلم الشهيد الدرس الأخير.
وها هم فتية الدعوة الأوائل يقرؤون الظلال قبل قتل سيد قطب، ويمرون عليه دون أن ينتبهوا إليه .. ثم يُقتل سيد قطب؛ فيرجعون إليه ويعكفون عليه، ويتحقق أكبر نطاق من الفهم الإسلامي الصحيح في الزمن القريب .. ويخدم الدعوةَ دمُه قبل قلمه.