الصفحة 137 من 164

ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ..

ومن هذا المعنى ينشأ مقتضى مهم وهو الصبر، وهو الحقيقة الثانية التي تضمنتها الآية: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي المَعَارِجِ * تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} ..

فالدعوة أمر ضخم، هي من عند الله، وزمنها يتراوح ما بين الزمن عند الله والزمن عند الناس، وتلك هي الطبيعة التي تقتضي الصبر ..

ورغم ضخامة الصبر الناشئ عن هذا المفهوم إلا أنه لا يخرج عن طاقة البشر، ولا يتوقف معنى الآية عنده؛ بل يمتد إلى حساب الزمن في واقع الدعوة .. لنتعلم كيف نتصوره وكيف نحقق مقتضى هذا التصور ..

والأساس الصحيح لحساب الزمن هو قدر الله في واقع الدعوة، فالوحي الذي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه من فوق سبع سماوات، ولكنه كان يسبق الحجر الذي ألقاه اليهود من فوق سطح أحد البيوت ليسقط على رسول الله صلى الله عليه وسلم!

ولذلك عندما شكا الصحابة إلى رسول الله مرارة الاستضعاف، وآلام التعذيب: «أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا .. ألاَ تَدْعُو لَنا؟» .

قَالَ لهم: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نصفَينِ، وَيُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِه وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ .. لاَ يَخَافُ إلاَّ اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ» [1] .

ومن هنا كان التعبير القرآني بـ «الفتح القريب» و «النصر القريب» هو معالجة نفسية وشعورية تعين على تحقيق الصبر، ومقتضياته في واقع الجهاد أو واقع الاستضعاف ..

ويدخل في إطار هذه المعالجة الشعورية اعتبار كل مرحلة جديدة تدخل فيها الدعوة هي اقتراب من حقيقة النصر، ولعل تسمية صلح الحديبية بالفتح كان ضمن هذه المعالجة.

كما تأتي المعالجة الشعورية من ممارسة واجب الدعوة، حيث يتحقق الاطمئنان بأداء الواجب، ليعالج الوقت الطويل بمقتضى الرؤية البشرية المجردة ..

وفي حساب الزمن لسنا مطالبين إلا باستغلال كل لحظة من حياتنا في السعي من أجل دين الله، كما أن حساب الزمن لن يكون صحيحًا .. إلا إذا أدركنا الدلالة المنهجية لكل مرحلة زمنية تمر بها الدعوة؛ فقد تكون الحجة هي الدلالة المنهجية للزمن، مثلما كان الزمن في دعوة نوح عليه الصلاة والسلام، حيث أثبت النص القرآني دقة الحساب .. رغم بلوغه ألف سنة إلا خمسين عاما!

وفي حين يذكر النص تقديرا دقيقا فيقول: {أَلْفَ سَنَةٍ} ثم يستثني:

{إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} نجد أن لحظة خاطفة قد حالت بين نوح وابنه حتى جعلته لا يستطيع إكمال حديثه معه .. !

هذه اللحظة تختلف طبيعتها عن طبيعة التسعمائة وخمسين عامًا، ولها دلالة أخرى غير دلالة الصبر والحجة، وهي دلالة الحسم والانتقام، وهكذا يرتبط الزمن بدلالته، فلم يكن من الممكن أن يمتد زمن الألف سنة إلا خمسين عامًا حتى يستطيع أن يتحدث نوح إلى ابنه حديثه الأخير .. فإذا بالحديث الأخير لا تتم عبارته .. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ} !

إن معيار الدقة الربانية في حساب الزمن لها صورة عجيبة، وهى صورة إسرافيل وقد تناول البوق في فمه، رافعًا رأسه إلى العرش، في انتظار لحظة النفخ .. !

(1) أخرجه البخاري (3/ 1322، 3416) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت