الصفحة 136 من 164

عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» [1] .

فيتبين لنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يكون حفظ الأمة بعد النصر والفتح بثلاثة أشياء:

-حفظ الفرد المسلم بتقوى الله ..

-وحفظ واقع الأمة الممكنة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..

-وحفظ الوحي بعلم الحديث الذي يمنع الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أسباب الحفظ بصورة إعجازية في حديث واحد.

ودل ذلك على أن لعلم الحديث فاعلية الوحي، بحيث يمكن أن نقول: إن أول حقائق القوة المقدرة لهذه الأمة .. كامنة في هذا العلم.

2 -فهم حقيقة الصراع وأبعاده:

إن فهم حقيقة الصراع وتحديد أبعاده تنطلق من فهم حقيقة ربانية الدعوة، فهذه الدعوة دعوة ربانية، لها أقدارها الربانية، وحساباتها المنهجية ..

وأهم هذه الحسابات: حسابات الزمن والدماء ..

ففي حساب الزمن قد نتساءل عن هذا الوقت الطويل الذي تمضيه الأمة تحت الاستضعاف، لماذا؟!

والإجابة هي: أننا ندفع ثمن فترة طويلة من الانحراف عن الحق، فيجب تقبل النتائج المهولة للصراع بنفس راضية ..

والحسابات الصحيحة للدعوة هي التي تعين على تقبل هذه النتائج ..

وتحقيق التوافق بين الإحساس والتصور البشريين وحقيقة الأمر عند الله تعالج الخلل في ضبط هذه الحسابات.

والمثل التاريخي الضابط لحسابات الزمن والدماء في واقع الدعوة هو تاريخ بني إسرائيل ..

لقد بقي بنو إسرائيل في عبودية فرعون أربعمائة عام، وبعد هذا الزمن الطويل يصنع الله موسى ويرسله ليخلص بني إسرائيل، ولا ندرك حكمة طول الوقت إلا بعد خلاصهم من العبودية، لنكتشف أنها كانت باستحقاق عادل على أعمالهم، فبمجرد خروجهم من العبودية .. عبدوا العجل، ولم تكد أقدامهم تجف من ماء البحر الذي فلقه الله كل فرق كالطود العظيم .. !

ومن نفس الموقف تتبين حسابات الدماء .. فقد كان جزاء بني إسرائيل عندما عبدوا العجل أن قُتِلَ أكثرهم، وهذا حساب الدماء في ميزان الله في مقابل أفعال البشر ..

والإحساس بالزمن دائر في التصور الإسلامي بين حقيقة الزمن كما هي عند الله، وتعامل الناس مع هذا الزمن كما هو عندهم، بدليل قول الله عز وجل: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} .

فالأمر الذي ينزل إلينا من عند الله ليتحقق بزماننا في ساعات أو دقائق أو ثوان .. ينزل في يوم مقداره ألف سنة: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ

(1) أخرجه أحمد (1/ 436، 4156) ، والترمذي (4/ 524، 2257) ، وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت