الصفحة 135 من 164

الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25] :

«فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان، وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط، وليعلم الله من ينصره ورسله، ولهذا كان قوام الدين: بكتاب يهدي وسيف ينصر، وكفى بربك هاديا ونصيرا» [1] .

ومن منطلق الجمع بين العلم والعمل تكون الشهادة ..

ومنطق الشهادة هو أهم ضرورات المرحلة، فنحن الآن في زمن الإيمان القوي والصدق اللازم لمواجهة هذه الجاهلية: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .

{وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .

وعلم الحديث الذي يعد الركيزة الأساسية لأصالة الامتداد -السلفية-هو أبرز مثال تحقق فيه الارتباط بين العلم والعمل بصورة منهجية وواقعية ..

فمن الناحية المنهجية .. اعتمد علماء الجرح والتعديل على الأصلين اللذين تقوم بهما الجماعة -وهما الجهاد والبيعة- في ترتيب طبقات المحدثين .. فرتبوهم كما يلي:

-البدريون المهاجرون الذين حضروا بيعة الرضوان.

-البدريون الأنصار الذين حضروا بيعة الرضوان.

-البدريون المهاجرون.

-البدريون الأنصار.

-المهاجرون ممن حضروا بيعة الرضوان.

-الأنصار ممن حضروا بيعة الرضوان.

وأما من الناحية الواقعية فقد اصطبغ علم الحديث من حيث التصنيف بصبغة الأمة الحياتية، باعتبار أن الحديث هو الأحكام التطبيقية والواقعية في حياة الأمة، وباعتبار أن الجهاد هو قضية الأمة الأساسية، فأصبحت هذه القضية صبغة ظاهرة في كُتب الحديث.

وقد جاء الدليل على العلاقة بين علم الحديث والجهاد من خلال منهج التصنيف عند البخاري، حيث كان كتاب (الغزوات) من أكبر كتب الصحيح ..

ثم تبعه (كتاب الجهاد) ثم كتاب (فرض الخمس) وهو مرتبط بالجهاد بكل أبوابه، يضاف إلى ذلك كتاب (صلاة الخوف) الذي تناقش كل أحاديثه أحكام الصلاة في القتال بكل أبوابه، ولهذا الأمر دلالته الواضحة والمثبتة لعلاقة علم الحديث بقضايا الجماعة ومقتضيات قيامها وامتدادها.

وقد ملأت مصنفات علم الحديث العبارات الدالة على هذه الحقيقة، فيقول سفيان الثوري: «الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟!» ..

ولذلك أيضًا يقول ابن الصلاح في (المقدمة) : «وعلم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم» .

(1) يراجع: مجموع فتاوى ابن تيمية، فصل أمراض القلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت