تلك هي اللحظة عند الله لا تتأخر، حتى يأخذ إسرافيل البوق أو حتى يرفعه إذا كان قد أخذه، أو يرفع رأسه لينظر الأمر إذا كان قد رفعه، تلك هي اللحظة عند الله ..
والله تبارك وتعالى يجعل من الزمن حجة على خلقه، وينشئ للزمن دلالة، ويجعله برهانًا على صبره، ومن أمثلة اعتبار الزمن حجة: هو بقاء نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، مع علم الله بأنه لن يؤمن معه إلا قليل .. هم أصحاب السفينة، فلم يكن الزمن في قدر الله سبب هداية بقدر دلالته على صبره سبحانه وتعالى، وحجته على خلقه، وتلك هي القيمة الحقيقية للزمن في قصة نوح.
أما قصة فتية الكهف فكان دورهم في الدعوة هو إعلان العقيدة فيما بينهم، وتقييم الواقع وفقًا لعقيدتهم: {رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف:10] ويدخل الفتية الكهف ليناموا ثلاثمائة سنين، ويزدادوا تسعا، هذا الزمن الطويل الذي قضاه الفتية نومًا عميقًا كان في حساب الدعوة دورًا كاملًا أتموا به واجبهم أمام الله عز وجل، حيث أعلنوا العقيدة وشهدوا على واقعهم، فكانت الخطوة الثالثة التجرد لله في تحديد المنهج: {فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف: 16] وبذلك اكتملت العناصر الأساسية الثلاث في الدعوة:
-إعلان العقيدة.
-تقييم الواقع.
-التجرد في تحديد المنهج.
ولم نكتشف أن الدور البشري قد تم بتلك العناصر إلا بعد أن يقوم الفتية من نومهم، ليجدوا الغاية من المنهج المطلوب قد تحققت ..
فإذا بزمن النوم تنشأ له دلالة الفصل بين الدور البشري المطلوب، والآثار القدرية المترتبة عليه، ليكون هذا الزمن خطًّا فاصلًا في عقول أصحاب الدعوة بين الواجب التكليفي على الدعاة، والقدر المكتوب عند الله!
وقد ساهم الزمن في استقرار حقيقة أن وعد الله حق، مما يعني أن إقامة الحجة واستقرار المفاهيم لها حاجتها الزمنية التي لا تتحقق إلا بها ..
إن معيار الحساب الحسي للزمن في أصغر وحداته هو طرفة العين ..
وعندما قال سليمان: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:38 - 40] ..
اختار الذي يستطيع أن يأتي به قبل أن يرتد إليه طرفه لكونه الأسرع، لنتعلم كيف يكون حساب الزمن في واقع الدعوة.
ومن هنا كان من أعظم الآيات التي أعطاها الله لسليمان: الريح التي تحمله إلى المكان الذي يحتاج شهرا للوصول إليه .. في نفس الوقت.
3 -وحدة الموقف الإسلامي:
من أهم ضرورات الموقف السياسي: أن يتعاون المسلمون في إدارة الحرب ليكون لهم منطلق واحد، تجتمع فيه كل الطاقات الفكرية، وكل الخبرات العملية، وكل إمكانات المتابعة الواقعية.
ويحقق وحدة الموقف الإسلامي عدة مبادئ، أهمها:
-لا صراع مع مسلم.