كما أن ذكر هؤلاء الرؤوس في سياق الانشغال عن الصلاة يدل على أنَّ السلطة والحكم هما مضمون النص، باعتبار أن إقامة الصلاة في التصور الإسلامي هي غاية التمكين، وإقامة السلطة: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41] .
ولعلنا نلاحظ تقديم قارون على فرعون في ترتيب رؤوس الكفر! وهذا الترتيب يرجع إلى غلبة أثر المال على الحكم، باعتبار أن المال أساس السلطة، وبه يمكن شراء السلطة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «بَادِرُوا بِالمَوْتِ سِتًّا: إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الحكْمِ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْوًا يَتَّخِذُونَ القُرْآنَ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ فِقْهًا» [1] .
وحتى في فتنة الدجال التي تمثل الصيغة النهائية للسلطة الجاهلية، نجد أن المال من أخطر عناصرها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى القَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ» [2] .
ومن هنا كان المترفون هم أعداء كل الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آَمِنُونَ} [سبأ: 34 - 37] .
ومن هذا السياق القرآني يتبين لنا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ واليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ» [3] .
قال: «المال .. نِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ» ؛ ولم يقل: «نعم المسلم صاحب المال» حتى لا تكون دعوة إلى الغنى.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ ِالْمَالِ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» يوافق قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37] .
3 -المحور القانوني:
ورغم أن الجاهلية فوضى وخروج عن الأصول، إلا أن الشيطان يرغب في امتصاص الطبيعة البشرية التي ارتكزت فيها بصورة دفينة الرغبة في النظام والحياة في ظله ..
ولعل المثال التاريخي لهذا الوضع هو اعتراض قوم شعيب على الرسالة باعتبارها نظام يحرمهم من التصرف في أموالهم وفق أهوائهم: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87] .
وبالرغم من هذه الفوضى فإن الجاهلية تختلق لها نظامًا، لفرض الشيطنة، والتحايل على الفطرة الإنسانية في حب الخضوع للنظام، مثلما اختلقت الجاهلية نظامًا دقيقًا للتصرف في كل شئون الحياة:
(1) أورده الهيثمي (مجمع الزوائد 5/ 245) وصحح الألباني نحوه في الصحيحة (979) .
(2) أخرجه مسلم (4/ 2250، 2937) .
(3) أخرجه البخارى (2/ 532، 1396) ، ومسلم (2/ 728، 1052) .