فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 163

مفهوم الصحابة لـ"الصبر":

ولقد ضرب سلف الأمة الصالح أروع الأمثلة وأصدقها في الصبر وما كان ذلك ليكون إلا لحسن تلقيهم وفهمهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فما فهم آل ياسر رضي الله عنهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) إلا الثبات على دين الإسلام وتحمل الأذى والبلاء في سبيله وعدم النكوص أو الارتداد عنه، وما كان حضُّ النبي صلى الله عليه وسلم وحثه لأصحابه عند لقاء العدو بالصبر كقوله فيما صح عنه (النصر مع الصبر والفرج مع الكرب) وقوله (لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموه فاصبروا) إلا لما استقر عندهم رضي الله عنهم من أن الصبر معناه الثبات على الحق مهما كلفهم من ثمن، ومعناه تلقي أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم والرضى وإن كان شاقًا على الأنفس مكروهًا إليها، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (خير عيشٍ أدركناه بالصبر) وقول علي بن أبى طالب رضي الله عنه (ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قُطع الرأس بار الجسد، ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) لذلك كان الصبر شطر الإيمان ونصفه الذي لابد منه فالإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر

قال ابن القيم رحمه الله (الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين، فعل وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية. والدين كله في هذين الشيئين، فعل المأمور وترك المحظور) ، وفعل المأمور من إقام الصلاة وفعل الخيرات يحتاج إلى صبر، وأعظم منه إقامة الدين وإزالة الكفر والشرك، لما يُصاحب هذا من الابتلاء الشديد ولما يتطلبه من جهاد وتضحية وقتال، الأمر الذي تكرهه النفس كما قال الله تعالى {كتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم} فهذا صبرٌ على طاعة أوجبها الله تعالى وجعلها سببًا يُميِّز الله تعالى به بين الصادق والكاذب كما قال سبحانه {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} .

وأما ترك المحظور فإن بعض المحظور محببٌ إلى النفس وتشتهيه، مثل ارتكاب معاصي الشهوة ومثل الركون إلى الدنيا وملذاتها ومثل مداهنة الطواغيت والمرتدين والسير في ركبهم أو إيثار السلامة وترك الجهاد، فهذه المحظورات لابد من الصبر والتخلي عنها وتركها، وهذا صبر عن معصية، ولابد كذلك من الصبر على أقدار الله تعالى وابتلاءاته، إذ أن الصبر على الابتلاء سببٌ للتمكين في الأرض كما قال تعالى {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يُرثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} ، وقوله {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين أمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} .

والجماعة المسلمة المجاهدة لابد وان تُبتلى ولابد أن تُمحص كما قال الله تعالى {لتبلونَّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} ، وقوله تعالى {ولنبلونكم بشئٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} ، ولن يحصل التمكين في الأرض إلا بعد الصبر في الابتلاء كما قال تعالى {وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} .

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله (إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم أهل لها، وفيهم على حملها قدرةٌ وفي قلوبهم تجردٌ لها وإخلاصٌ، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة، فهي أمانة كريمة وهي أمانة ثقيلة، وهي أمر الله يضطلع بها الناس ومن ثم تحتاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت