موكب الدعوة إلى الله تعالى موكبٌ مهيبٌ، موغلٌ في القدم ضاربٌ في شعاب الزمن، يسير في الطريق اللاحب مستقيم الخطى ثابت الأقدام، يمضي في دربه المرسوم وطريقه الواضح على بينة من ربه عز وجل، لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد، يُقدم التضحيات تلو التضحيات ويُصيبه الأذى والبلاء، فتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء في طريقٍ طويلٍ شاقٍ حافلٍ بالعقبات والأشواك، مفروش بالإيذاء والابتلاء، وهكذا سنة الله تعالى في دعوته، قال الله تعالى {ولقد كُذِّبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرُنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإي المرسلين} ، فجعل الله سبحانه وتعالى الصبر زادًا في طريق الدعوة إليه، فلا بد من التزود بالصبر، الصبر على شهوات النفس ورغباتها، والصبر على انتفاش الباطل ووقاحة الطغيان، ولابد من الصبر على طول الطريق ووسواس الشيطان في ساعات الكرب والضيق، ولابد من الصبر على مرارة الجهاد وقلة النصير وضعف المعين.
وأصل كلمة الصبر في لغة العرب هو المنع والحبس كما في قوله تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} ، أي جالس هؤلاء واحبس نفسك معهم، وفي سنن الدارقطني أن رجلًا امسك رجلًا وقتله آخر فقال صلى الله عليه وسلم (يُقتل القاتل ويُصبر الصابر) أي يُحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت.
وعرفه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (هو خُلقٌ فاضل من أخلاق النفس يُمنع به من فعل مالا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها) ، ونقل رحمه الله كلام السلف في تعريف الصبر فقالوا هو (تجرُّع المرارة من غير تعبُّس) ، وهو التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرُّع غُصص البلية، وهو (الاستعانة بالله تعالى) ، فالصبر إذا حبس العبد نفسه ووقفها مع سنن الله وآياته في نفسه وفي الآفاق، ومع نعم الله تعالى عليه، ومع أسماء الله تعالى وصفاته وآثارها وما تقتضيه من هدي الفطرة ونورها.
ومع رسل الله تعالى وكتبه ودينه جل وعلا:
وبهذا المفهوم للصبر يُدرك المرء معنى قول الله تعالى {إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} الزمر، ذلك أن الجنة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قد حُفت وأُحيطت بالمكاره لقوله صلى الله عليه وسلم (حُجبت النار بالشهوات وحُجبت الجنة بالمكاره) والنفس بطبعها ميالة إلى الدعة وحب الشهوات فلابد من الصبر لاجتياز المكاره وتخطي الصعاب ولابد من حبس النفس وإلزامها الدوران مع شرع الله تعالى حيث دار، ومنعها من الوقوع فيما أمر الله عز وجل باجتنابه والبعد عنه، وبذلك يُعلم أنه ما من منزلة من منازل الإيمان ولا مقام من مقاماته إلا والصبر هو المطية والوسيلة لبلوغه، وقد أمر الله تعالى به في كثير من آياته نحو قوله تعالى {يا أيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} ، وقوله {واصبر وما صبرك آلا بالله} ، وقوله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} ، والله سبحانه وتعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ذكر قصص من سبق من الرسل مع أقوامهم يأمر نبيه بالصبر على ما يدعو، وأن يكون صابرًا على ما يدعوا إليه أي مثابرًا عليه لا يقطعه ولا يمله، صابرًا على ما يعترض دعوته، وصابرًا على ما يعترضه هو من الأذى وذلك في قول الله تعالى {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} ، بل كان هذا واضحًا منذ بدء الوحي وتكليف النبي صلى الله عليه وسلم بحمل الرسالة كما في قوله تعالى {آنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منه ءاثمًا أو كفورًا} ، قال بعض أهل العلم (كان من المتوقع أن يقول الله تعالى فاشكر نعمة الله على تنزيل هذا القرآن، لكن الله قال {فاصبر لحكم ربك} إشارة إلى أن كل من قام بهذا القرآن فلابد أن يناله ما يناله من الأمور التي تحتاج إلى صبر عظيم.