فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 163

إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء).

وسلف الأمة حملوا الأمانة بصدقٍ وصبرٍ وكانوا أحق بها وأهلها، وما ذلك إلا لحسن فهمهم وتلقيهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فصبروا لله تعالى محتسبين مخلصين ولقد بلغوا في دُرَج الصبر شأنًا رفيعًا حتى قال قائلهم:

على أي جنبٍ كان في الله مصرعي ... ولست أُبالي حين أُقتل مسلمًا

يبارك على أوصال شِلوٍ مُمزَّع ... وذلك في ذات الإله وإن يشأ

وهم في هذا كله مستعينون بالله عز وجل تأسيًا بقوله تعالى {واصبر وما صبرك إلا بالله} ، لأنه لا حول عن معصية ولا قوة على طاعة إلا بالله تعالى، فبه وحده الاستغاثة وعليه وحده التكلان وهو المسئول والمستعان

ولمَّا انحرفت المفاهيم لبعد الناس عن فهم السلف الصالح أنتجت مفاهيمهم آثارًا غير التي أنتجها فهم السلف رضوان الله عليهم، فصار الصبر ركونًا إلى الدنيا، وقعودًا عن الجهاد المُتعين، وأصبح الصبر إيثارًا للسلامة وحبًا للحياة الدنيا وزينتها والانشغال بها، وأصبح الصابر من سَاَلَم طواغيت الأرض الحاكمين بغير ما أنزل الله تعالى، وأظهر لهم الود والولاء بدل البغض والعداء، والصابر من اكتفى بالعيش على فتات قليل من الحياة الدنيا، ومن عجائب هذا الانحراف في المفاهيم أن يكون المجاهد الذي يصدق فيه قول الله تعالى { ... قليلٌ مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ... } والذي لا يأمن على نفسه ولا على أهله من عدوه في حِلِّه وفي ترحاله، يكون مفرِّطًا وغير صابر، ويكون من يُستقبل في المطارات استقبال الوفود الرسمية من أولي العزم الصابرين! ويكون القابع في ظلام السجون لا لشيء إلا قوله ربي الله مقصرًا في حق الله تعالى بعدم الصبر في سبيله، بينما يصير نزيل الفنادق الفاخرة والقصور العامرة صابرًا في ذات الله مجاهدًا في سبيله حق الجهاد.

إن الصبر ليس معناه السكوت عن الباطل ومداهنته فضلًا عن السير معه ومعاونته، بل هذه دعة ومذلة ومهانة، إنما الصبر الثبات على الحق والجهاد في سبيله، والإنسان المسلم والجماعة المسلمة ومن يُريد نصرة هذا الدين ويطمع أن يكون من أهل الجنة لابد له من الصبر على أداء الأمانة والقيام بأعباء الجهاد ومجابهة الأعداء، ولا نصر بغير صبر كما قال صلى الله عليه وسلم (واعلم أن النصر مع الصبر) ، وقال الله تعالى {وتمت كلمت ربك الحسنى على بني اسراءيل بما صبروا} .

ومن ليس في العز المنيع له كفو ... أما والذي لا خلد إلا لوجهه

لقد يُجتنى من غِبِّه الثمر الحُلْوُ ... لئن كان بدءُ الصبر مرًا مذاقه

والحمد لله رب العالمين

[عن مجلة الفجر]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت