الصفحة 43 من 46

جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب، فإن اللّه يعلم منها ما لا يعلمه العبد، ومن أسرار هذه الآية أنّها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجوا فيه من حسن العاقبة، ومنها أن لا يقترح على ربه ولا يختار عليه، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره، فلا انفع له من ذلك، ومنها أنه إذا فوّض أمره إلى ربه ورضي بما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي عارضت اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه لما يختاره هو لنفسه" [1] ."

"إنّ اللّه سبحانه وتعالى يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السرّاء والضرّاء، وفي حال العافية والبلاء وفي حالة إدالتهم والإدالة عليهم، فللّه سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلاّ بها، ولا يستقيم القلب بدونها كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبّرد والجّوع والعّطش والتّعب والنّصب وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرطّ في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع" [2] .

أما أنتم أيها الأعداء ...

{هل تربّصون بنا إلى إحدى الحسنّيين ونحنّ نتربص بكم أن يّصيبكم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا} ... كم حارب أسلافكم الإسلام، فهل زال الإسلام؟ لقد عجزت دول الصليب مجتمعة، وعجز التتار عن محو الإسلام، وعجزت فرنسا عجزا فضيعا حتى قال بيدقها، ماذا نصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا ... إنّما تضيعون أموالكم وجهودكم وتفوتون على أنفسكم فرص الهداية.

ورضي اللّه عن عمر حين قال لأبي سفيان يوم أحد: (لقد أبقى اللّه لك ما يسوؤك، ومن يغالب اللّه يغلب) .

وأما أهل الإرجاف والتخذيل؛ فهم أحط قيمة في عين العدوّ والصديق منّا، لأنّهم رضوا بالهوان يوم أشربوا الوّهن، ومن خان دينه هل يؤتمن عل شيء، لعلكم تقولون"هذا جزاء التّهور والسير في طريق مسدود - كما ترون أنتم - تنسجون كلاما، كحال من قال فيهم تعالى: {إن تصبك مصيبة} ؛ كإدالة العدو عليك، {يقولوا} ؛ متبجحين بسلامتهم من"

(1) الفوائد لابن القيم ص 246

(2) إغاثة اللهفان 2/ 190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت