والجزاء، وأن سوء الأعمال يقابله سوء المآل، قال تعالى: {فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] ، وهو تعبير يتكرر كثيرا في القرآن الكريم، والظاهر أنه يتكرر ليقرر حقيقة كبيرة مفادها أن الذنوب تهلك أصحابها، وأن الإهلاك حالة تصير إليها الأمم حين يستقر شأنها على مخالفة الأمر الشرعي، لأن هذه المخالفة إضافة إلى أنها معصية فإنها توجد حالة من عدم الانسجام مع السنن القدرية التي تحكم حركة الحياة، وهكذا يكون فعل الذنوب في هدم"الحضارات".
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإهلاك إما أن يتحقق في شكل السقوط السريع الذي يأتي على إثر الضربة القاضية، فتكون عملية الانهيار مرة واحدة، مما يجعلها ظاهرة للجميع بحيث لا يحتاج الوقوف عليها لا إلى مراقبين ولا إلى محللين. وإما أن يتحقق في شكل السقوط التدريجي الذي يأتي عن طريق انحلال بطيء ينخر في الجسم بطريقة متأنية، ولكنها فعالة، تنشئ بفعل التراكم حالة تؤدي في النهاية إلى الانهيار.
وعموما فإنه في كلتا الحالتين - السقوط السريع والتدريجي - إما أن يكون بفعل الله مباشرة، فيقع في شكل أمر قدري من عنده، وإما أن يكون بفعل الجماعة المسلمة فتكون استجابتها للأمر الشرعي ستارا لتحقيق السنة القدرية، قال تعالى: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة:52] .
نعم قد تعمّر دولة الكفر عقودا من الزمن، أو ربما قرونا، وقد تصول خلال هذه الفترة وتجول، بل وقد تعربد وتتغطرس، ولكن الأكيد هو أن هذه الفترة لن تدوم إلى الأبد ولن تستمر إلى يوم القيامة، بل لن تستمر طويلا، لأنها وضع مؤقت، ويوم النهاية آت لا محالة، وإذا لم يكتب للفرد أن يراه بعينه في عمره القصير فإن عدم الرؤية لا يلزم عنه عدم الوجود، والسنن لا تفهم من خلال الإطار المحدود.
على أن هذا الوضع المؤقت يرجع إلى أسباب تدخل ضمن نظام السنن ولا تخرج عنه، أي أنه ليس فلتة عابرة، ولا جزافا لا ضابط له، كلا، إنه وضع ترجع أسبابه إلى مجموعة من العوامل الذاتية أو الموضوعية أو ربما إلى كليهما معا .. ولكن المهم عندنا أنه ليس حالة دائمة، وإنما هو وضع مؤقت، يمهل به الله تلك الدولة الكافرة لفترة من الزمن، ولحكمة من الحِكم، ثم بعد ذلك يكون المصير المحتوم {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} [الحج:44] .
إن عوامل الضعف عند القوى الكافرة كامنة في حقيقة وجودها، ومبثوتة في ثنايا القيم التي تحملها وتدعو إليها، فوجودها هو تجسيد لوجود الباطل، وقيمها هي تمثيل لقيم الباطل، {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} [محمد:3] ، والباطل لا يمتلك من مقومات الدوام