رابعًا- قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يونس: 108 - 109] .
هاتان الآيتان خاتمة سورة يونس المكية، التي تريد تثبيت المؤمنين على الحق، وملء قلوبهم بالأمل واليقين، وتقديم الوعود الصادقة لهم بالنصر والتمكين.
يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ دعوته للناس جميعًا، وأن يقيم عليهم الحجة، ويقول لهم: أنا رسول الله إليكم جميعا، وقد قدمت لكم الحق، وأقمت عليه الأدلة والبراهين، وبذلك انتهت مهمتي عندكم، والخطوة التالية عليكم، فإذا قبلتم الهدى وآمنتم؛ أفلحتم وفزتم، وإن رفضتموه كنتم الخاسرين، وأنا لست وكيلًا عليكم، ولا يجب علي قذف الإيمان في قلوبكم!.
ماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التبليغ والبيان وإقامة الحجة؟ ماذا يفعل وهو ينتظر تحقق موعود الله؟.
كان ينتظر تحقق موعود الله، عندما قال لهم: (فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) وهو في فترة الانتظار ينفذ ويطبق قول الله له: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) .
لقد أمره الله بأمرين:
الأول: اتباع شرع الله: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) . وذلك بتنفيذ الأوامر والتوجيهات، التي أنزلها الله في القرآن، والمتعلقة بالشعائر التعبدية، والمشاعر الأخلاقية، والحركة الدعوية، ومواجهة الأعداء، والصمود أمامهم.
الثاني: الصبر (وَاصْبِرْ) وهو صبر عام شامل مطلق، يقدم زادًا للمؤمنين، يثبتهم على الحق، ويدفعهم إلى تجاوز مرحلة انتظار النصر بعزيمة وهمة وأمل ويقين.
وسوف يحكم الله بين المؤمنين والكافرين، وينهي المواجهة بينهم، ويحقق وعده للمؤمنين، ويوقع وعيده للكافرين، وهو سبحانه خير الحاكمين.
زادُنا ونحن ننتظر تحقيق وعود الله لنا بالنصر، تنفيذ الأمرين المذكورين في الآية: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ) .. الاتباع الجاد الصادق لشرع اله، والصبر الجميل، والانتظار الإيجابي، المقرون بالبشرى والأمل، والجهد والعمل.