الصفحة 46 من 152

تصف الآية الكفار بالجهل، الذي دفعهم إلى التكذيب بالقرآن جملة وتفصيلًا: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) .. إنهم لم يحيطوا علمًا بالقرآن، ولا بمعانيه ومضامينه، فكيف كذبوا بشيء يجهلونه؟.

ومن الحقائق القرآنية التي لم يحيطوا علمًا بها فكذبوها، وعود القرآن بالنصر والتمكين للمسلمين، وبالخسارة والهزيمة للكافرين .. فقد سمعوا آيات قطعت تلك الوعود، فاستبعدوا تحققها، وأنكروا وقوعها، وكذبوا بها، وتساءلوا: هل من الممكن أن يتغلب عليهم المسلمون وهم مستضعفون أمامهم؟ لا يملكون قوة ولا سلطانًا ولا أرضًا؟!.

وترد الآية على تكذيبهم، واستبعادهم تحقق الوعود القرآنية، بقولها: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) . وهذه الجملة وعيد وتهديد لهم، بقرب وقوع العذاب بهم!.

"لما": حرف إطماع، يدل على قرب تحقق وقوع ما بعدها. وهي حرف جزم، يجزم الفعل المضارع بعده، و"يأتهم": مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، أصله"يأتيهم". والضمير"هم"يعود على المشركين، وهو في محل نصب مفعول به مقدّم، و"تأويله": فاعل مؤخر، والضمير في"تأويله"يعود على القرآن.

فمعنى: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) : لم يتم تأويل آيات القرآن الواعدة بانتصار المسلمين، وهزيمة الكافرين، ولذلك كذب الكافرون بها.

معنيان للتأويل في القرآن:

ما معنى التأويل هنا؟.

التأويل بمعنى بيان العاقبة والمآل، أو رد الشيء إلى غايته المرادة منه، وتحديد معناه الصحيح، أو مآله الدقيق.

والتأويل في القرآن له صورتان:

الأولى -صورة نظرية: تقوم على إزالة اللبس والغموض عن الكلام، وذلك بحمله على نص آخر صريح، واضح محكم، ورده إليه. وهذا هو تأويل الآيات المتشابهات القليلة في القرآن، وذلك بإزالة الاشتباه عنها، عن طريق حملها على الآيات المحكمات الكثيرة في القرآن.

الثانية- صورة عملية مستقبلية: وذلك ببيان العاقبة والمآل للآية، فعندما تتحدث الآية عن أمر مستقبلي قادم، يكون حديثها وعدًا نظريًا، وعندما يتحقق ذلك الوعد النظري، في صورة عملية واقعية تطبيقية، يكون ذلك الوقوع تأويلًا لها، لأنه به يتحقق مآلها.

التأويل العملي للوعود القرآنية بالنصر:

الوعود القرآنية في السور المكية بانتصار الحق وإزهاق الباطل، كانت وعودًا نظرية مجردة، وهذه الوعود تحتاج إلى"تأويل"، أي: تحتاج إلى إنجاز وتنفيذ، وتطبيق على الأرض، فوقوعها على الأرض تأويل عملي لها.

إن الوعد القرآني في قوله تعالى في سورة القمر: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) وعد نظري، قطعه القرآن في مكة .. وقد تحقق هذا الوعد في غزوة بدر، فكان وقوعه وتحققه"تأويلًا"له، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"فعرفت تأويل الآية يومئذ". وبذلك كان تأويل الآية تحقق مضمونها على الأرض.

إذن معنى قوله تعالى: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) : لم تتحقق حتى الآن الوعود القرآنية الواعدة، ولم يتم تأويلها العملي، ولذلك كذب بها الكافرون.

واختيار حرف الإطماع"لما"مقصود، لأنه يدل على قرب مجيء ذلك التأويل، وقد أتاهم تأويل تلك الوعود القرآنية في غزوة بدر، وما بعدها.

والدليل على أن هذا هو معنى: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) قول الآية بعد ذلك: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) .

أي: كما كذب كفار مكة بما لم يحيطوا بعلمه من معاني القرآن، ووعوده وأخباره المستقبلية، كذلك كذب الكفار السابقين بما أخبرهم به رسلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت