الصفحة 23 من 152

الخطاب للكفار، الذين لا يؤمنون بأن القرآن كلام الله، أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويرشدهم القرآن إلى وسيلة إزالة الريب والشك الذي هم فيه، وذلك بأن يعارضوا هذا القرآن، بالإتيان بسورة من مثله، ودعوة شهدائهم ليعينوهم على ذلك.

وهذه الآية من آيات التحدي في القرآن، بهدف إقرار الكفار بالعجز، وإثبات أن القرآن كلام الله. وذلك أن هذا القرآن أنزل بلسان عربي مبين، ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم لغة عربية فصيحة، والكافرون كانوا عربًا فصحاء بلغاء. ولما سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكروا أن يكون كلام الله، وزعموا أنه من تأليفه وصياغته هو.

فتحداهم الله بهذه الآية وأمثالها، وطالبهم بالإتيان بسورة مثل هذا القرآن، في فصاحته وبلاغته وأسلوبه .. فإن كان القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، فلن يعجزوا عن ذلك، وسيأتون بالسورة المطلوبة، لأنهم عرب فصحاء، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الأفصح.

فإن عجزوا عن الإتيان بالسورة المطلوبة، دل ذلك على أن القرآن كلام الله، أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودل هذا على أن محمدًا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يقر الكفار العاجزون بذلك، ويدخلوا في الإسلام، قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) [هود: 13 - 14] .

والشاهد في آية التحدي في سورة البقرة قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ... ) .

إن جملة"-ولن تفعلوا-"جملة معترضة، تخبر عن أمر مستقبلي، وتقرر فيه أن الكفار لن يفعلوا المطلوب، ولن ينجحوا في المعارضة، وسيعجزون عن الإتيان بالسورة.

وقد تحقق ما قررته وجزمت به الآية، فرغم محاولات الكفار المستمرة، ورغم تمكنهم من اللغة، إلا أنهم عجزوا عن الإتيان بالسورة المطلوبة.

والعجيب أن الجزم بعدم القدرة على المعارضة، جاء في سياق آية التحدي، ولا يمكن للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجزم بذلك، لأنه لا يعلم الغيب المستقبلي، ولا يعلم حدود طاقة وقدرة الذين يتحداهم!! إنه لا يجزم بالعجز وعدم القدرة إلا من أحاط بكل شيء علمًا، وكان عالمًا بالغيب والشهادة، وكان عالمًا بما كان، وعالمًا بما سيكون، وهو الله سبحانه!.

الدخان يغشى الكفار في مكة:

رابعًا -قال تعالى: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ، فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ، إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) [الدخان: 9 - 16] .

تخبر هذه الآيات عن أمر مستقبلي، وقع بعد نزولها، وهو الدخان الذي غشي أهل مكة، عقابًا من الله، لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقبل الحديث عن تحقق ووقوع ما أخبرت عنه الآيات، نورد كلام عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه حولها، وهو الذي شهد ما أخبرت عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت