الصفحة 20 من 152

والواقع المعاصر لليهود في هذا الزمان، يتعارض ظاهريًا مع هذه الآية، فها هم يسيطرون على العالم أجمع، سياسيًا وإعلاميًا، واقتصاديًا وفنيًا، وقد نجحوا في إقامة دولة قوية لهم على أرض فلسطين .. وهم الذي يُذِلون الآخرين، ويسومونهم سوء العذاب!.

ولا يتعارض ما عليه اليهود مع ما تقرره الآية، لأن ما هم عليه الآن ما هو إلا فترة قصيرة، يأذن الله لهم فيها بنوع من القوة والتمكين، يعودون بعدها إلى الذلة والمسكنة، ويبعث الله عليهم من يسومونهم سوء العذاب.

ثم إن ما هم عليه في هذه الفترة الزمنية القصيرة، من قوة وتمكين، سيكون عاملًا من عوامل الإسراع في إذلالهم، لأنهم سيتكبرون على الآخرين ويستعبدونهم، ويذلونهم، وسيواجههم الآخرون بمزيد من الكراهية والبغضاء، والعمل على الأخذ بثأرهم منهم، والحرص على إذلالهم .. فاليهود في هذا الزمان صائرون إلى ما كتبه الله عليهم من الذلة والمسكنة.

وأشارت آية أخرى إلى هذه المرحلة الانتقالية الخاصة، التي يمرون بها، في سيرهم من ذل الماضي إلى ذل المستقبل. قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) [آل عمران: 112] .

نصر المؤمنين وواقعنا المعاصر:

ثانيًا -قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47] .

عندما كانت مهمة الرسل تنتهي عند أقوامهم، كان الله ينصر الرسل على الكافرين، وينجيهم من مكائدهم، وينتقم من الكافرين المجرمين، بإهلاكهم وتدميرهم.

وكتب الله على نفسه نصر عباده المؤمنين: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وهذه حقيقة قرآنية مطردة، تنطبق على أمثلة وشواهد عديدة في الماضي، ورد بعضها في التاريخ البعيد، وبعضها في تاريخ المسلمين الصالحين من هذه الأمة!.

ولكن الواقع المعاصر للمسلمين لا يتفق مع هذه الحقيقة القرآنية، فقد هُزموا في كثير من المعارك التي خاضوها، وأعداؤهم هم الذين انتصروا عليهم! والسبب في ذلك هم المسلمون أنفسهم، لأن نصر الله للمؤمنين مشروط بنصرهم لله أولًا، قال تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7] . ولم ينصر المسلمون المعاصرون الله حقًا، ولذلك لم ينالوا نصر الله .. وسنة الله لا تتخلف، ولكن لا بد من الأخذ بشروطها!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت