الصفحة 140 من 152

أولًا- وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت رضي الله عنه:

روى البخاري في كتاب مناقب الأنصار، عن خباب رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو متوسّد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة. فقلت: ألا تدعو الله!.

فقعد وهو محْمَرّ وجهه، فقال:"لقد كان من قبلكم لَيُمْشَطُ بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه .. ويوضع المنشار على مفرِق رأسه، فيُشَقّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه .. وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه" [البخاري برقم: 3852] .

يخبر خباب بن الأرت رضي الله عنه عن ما كان يلاقيه المسلمون في مكة من الأذى، في السنوات الأولى من البعثة، حيث كان المشركون يضطهدونهم ويعذبونهم، وكان المسلمون يواجهون هذا بالصبر والاحتساب والثبات.

ويبدو أن خبابًا رضي الله عنه كان خارجًا من شدة ومحنة وأذى -لقوله: وقد لقينا من المشركين شدة -فأتى الكعبة، ووجد عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مضطجعًا في ظلها، متوسدًا بردة له، يجعلها كالوسادة تحت رأسه.

فطلب خباب منه الدعاء، وقال له: ألا تدعو الله!.

وطلب خباب رضي الله عنه في موضعه، فالأذى يقع بهم من المشركين، ويزداد ويتصاعد باستمرار، وهم صابرون ثابتون محتسبون، ولكنهم يرغبون في الفرج، فطلب خباب منه أن يدعو الله لهم، لأن دعاءه صلى الله عليه وسلم مستجاب عند الله. ولم يكن طلب خباب رضي الله عنه ناتجًا عن شك بالحق، ولا عن يأس وإحباط، ولا عن استبعاد للفرَج والنصر.

ومع ذلك لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلبه، ولذلك قعد وهو غاضب، وقد احمر وجهه من الغضب.

لماذا غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب خباب؟.

إن خبابًا لم يخطئ في طلبه، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد له وللمسلمين أن يواجهوا أذى المشركين بالاستمرار في الصبر والثبات، وكلما صعّد الكفار أذاهم وتعذيبهم، كلما ضاعف المسلمون صبرهم واحتسابهم، فهذا الصبر والثبات زاد ضروري، يتجاوزون به هذه المرحلة القاسية، وهو مدد لهم، يقوي ثقتهم ويقيتهم بقدوم الفرج والنصر.

الرسول يبين لخباب طريق الدعوة:

أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين لخباب والمسلمين أن هذه هي طريق الدعوة، وأنها مرحلة لا بد أن يعيشها المسلمون، ويصبروا على مشقتها وقسوتها، ولا بد أن تأخذ بأيديهم إلى المرحلة التالية، حيث الفرج والنصر والتمكين. فلا فرَج إلا بعد الشدة والكرب، ولا تمكين إلا بعد المحنة والأذى!.

ولذلك ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لخباب بعض ما كان المسلمون السابقون يلاقونه من الشدة والمحنة، حيث كان الأعداء الكفار يعذبون أحدهم تعذيبًا بشعًا، بأن يمشطوا لحمه بمشاط الحديد، ويكشطوه كشطًا، ويزيلونه عن العظم، وهو صابر محتسب، حتى يلقى الله شهيدًا، ويعذِّبون آخر بنشره بالمنشار، ينزلون به من مفرق رأسه إلى رجليه، فيشقّ إلى شقين منفصلين، وهو ثابت صابر، حتى يلقى الله شهيدًا. وعلى المسلمين أن يقتدوا بمن سبقهم في صبرهم وثباتهم.

الرسول يعِد خبابًا بالنصر:

بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم خباباَ رضي الله عنه بالفرج، ووعده بالنصر والظهور والتمكين، وأكد ذلك الوعد بقوله:"وليتمن الله هذا الأمر". وإتمام الإسلام بانتصاره وانتشاره، ودخول الناس فيه أفواجًا.

والقضاء على الشرك، وانتصار الإسلام في الجزيرة العربية ينتج عنه إزالة مظاهر الخوف والخطر، والسلب والنهب، والعدوان والقتل، وهي التي كانت منتشرة في مختلف مناطق الجزيرة، حيث كان قطاع الطرق يعتدون على من يسافر في الجزيرة، ويتنقل بين مناطقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت