الصفحة 138 من 152

الثاني: ظهور معنوي: يتمثل في قوة حجج الإسلام وبراهينه، ووضوح حقائقه وتشريعاته، والانتصار لمضامينه وتوجيهاته .. إن حجة الإسلام هي الأقوى، بحيث لا يقف أمامه فكر أو دين أو مذهب، وما من لقاء فكري بين الإسلام وغيره إلا كان الإسلام فيه هو الظاهر الغالب .. وما من مفكر أو داعية اشترك في حوار أو نقاش أو مؤتمر، مع أي مفكر يتبع أي دين أو مذهب، إلا كان المفكر المسلم هو المنتصر، لأنه يتكلم بالحق، وخصمه يتكلم بالباطل، والحق ظاهر دائمًا على الباطل، كما قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) [الأنبياء: 18] .

إظهار الإسلام في سورتي الصف والتوبة:

وهذه الآيات من سورة الصف قريبة من آيات أخرى في سورة التوبة، ومعلوم أن سورة الصف نزلت قبل سورة التوبة، لأن سورة الصف تُرغِّب المسلمين في الجهاد، وهذا كان في السنوات الأولى بعد الهجرة، أما سورة التوبة فقد كان نزولها متأخرًا، بعد السنة التاسعة من الهجرة، لأن نزولها كان بعد غزوة تبوك.

ورغم أن الآيات في السورتين تقدمان وعدًا قرآنيًا صادقًا جازمًا بانتصار الإسلام وظهوره، إلا أن بينها بعض الفروق في التعبير.

قال تعالى في سورة الصف: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 8 - 9] .

وقال تعالى في سورة التوبة: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 32 - 33] .

الآية الثانية في السورتين واحدة، ولا فرق في كلماتها وصياغتها وتعبيرها. إنما الفرق في الآية الأولى.

تتكون الآية الأولى من ثلاث جمل:

الأولى: قال في سورة الصف: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) . وقال في سورة التوبة: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) .

المفعول به لفعل (يُرِيدُونَ) في سورة الصف محذوف، وجملة (لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ) تعليلية، تعلل للمفعول به المحذوف، فهي في محل نصب مفعول لأجله، والتقدير: يريدون حرب الإسلام لإطفاء نور الله.

بينما المفعول به لفعل (يُرِيدُونَ) في سورة التوبة هو المصدر المؤول. والتقدير: يريدون إطفاء نور الله بأفواههم.

الثانية: قال تعالى في سورة الصف: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) . وقال في سورة التوبة: (وَيَابَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ) . فالتأكيد في آية سورة التوبة أكثر منه في سورة الصف.

الثالثة: في السورتين واحدة: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .

والملاحظ أن الوعد في سورة التوبة أكثر تأكيدًا منه في سورة الصف، لأن سورة التوبة نزلت بعد سورة الصف بسنوات .. ولكن السورتين تلتقيان على تأكيد تحقق الوعد القرآني بانتصار الإسلام وظهوره والتمكين له، واستمرار هذا الوعد حتى قيام الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت