ثم إن نجاح الكفار في القضاء على الإسلام معناه أنهم غلبوا الله وأعجزوه، وأوقفوا قدره، ووقفوا أمام إرادته، وعطلوا مشيئته!! وهذا مستحيل عقلًا وشرعًا، فالله سبحانه هو القوي العزيز، القادر القاهر، غالب على أمره، ينفذ مشيئته، ويحقق إرادته، ولا يعجزه سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تقف أمامه أية قوة مهما عظمت!!.
وقد أخبرت الآية عن هذه الحقيقة بقولها: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) . والإتمام هنا بمعنى الإكمال. و (مُتِمُّ) اسم فاعل. والتعبير باسم الفاعل هنا للدلالة على الثبات والاستقرار.
والحقيقة المقررة هنا إتمام وإكمال الإسلام، وقد أكدت هذه الحقيقة آيات أخرى من القرآن كقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3] .
الله متم نوره وناصر دينه:
الله متم نوره، وناصر دينه، ولو كره الكافرون ذلك، ولو حاربوا دينه، وأرادوا إطفاء نوره بأفواههم، فكرههم لا قيمة له عند الله، وحربهم لدينه معروفة نهايتها سلفًا، قبل خوضهم لها.
ووضحت السورة معنى جملة: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) في الآية التالية مباشرة: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .
(رَسُولَهُ) المذكور في الآية هو خاتم الرسل والأنبياء، صلى الله عليه وسلم.
و (دِينِ الْحَقِّ) : هنا هو الإسلام، الذي جاء به خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالدين الحق، يدل على أن ما سواه من الأديان باطل، حتى لو كان أصلها سماويًا، كاليهودية والنصرانية، لأن أصحابها حرّفوها، فنسخها الله.
وكونها ليست الدين الحق، ورد صريحًا في قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] .
واللام في قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) : لام العاقبة: أي: عاقبة ونتيجة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام الدين الحق هي أن يظهره الله على الدين كله.
والإظهار هنا بمعنى النصر والغلبة، والظهور والتمكن والسيادة.
والمراد بالدين كله هنا: جميع الأديان، ذات الأصل السماوي، وذات الأصل الأرضي البشري، والمذاهب والأفكار والمبادئ والنظم التي يؤمن بها الناس ويدعون إليها.
الوعد بإظهار الإسلام على الدين كله:
الله سيظهر الإسلام على هذه الأديان والمذاهب كلها، وسيبقى الإسلام ظاهرًا منتصرًا عليها حتى قيام الساعة.
وسبق أن أشرنا إلى أن ظهور الإسلام على الدين كله له جانبان:
الأول: ظهور مادي: يتمثل في رسوخ الإسلام وقوته، والتمكين له في بلاد المسلمين، وفشل جهود الكفار في القضاء عليه وإزالته في هذه البلاد.
ورغم إقصاء الإسلام عن الوجود السياسي في بلاد المسلمين، فإنه راسخ متجذر في هذه البلاد.