الصفحة 121 من 152

والراجح أن هؤلاء الكفار كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتلهم وهزمهم.

وهذا يشمل كل الأقوام الذين هزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية: وهم يهود خيبر، وقريش الذين انهزموا يوم فتح مكة، وهوازن التي انهزمت في غزوة حنين بعد فتح مكة، وثقيف التي استسلمت بعد حصار الطائف.

فكل هؤلاء كانوا أقوياء، ذوي بأس شديد، لكن قوتهم تحطمت أمام قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين كانوا ذوي بأس أشد.

وتحقق الوعد القرآني في هذه الآية، حيث هُزِمَ جميع الكفار الأقوياء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، من يهود خيبر وقريش وثقيف والطائف وغيرهم.

الوعد شامل لكفار زماننا:

ولكن هذا ليس خاصًا بالكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما هو عالم يشمل الكفار اللاحقين الذين هزمهم الصحابة، ومنهم: بنو حنيفة في نجد، الذين ارتدوا مع مسيلمة الكذاب، وعادوا للإسلام بعدما هزمهم الصحابة في معركة اليمامة.

ومنهم الفرس الذين أزال الصحابة قوتهم، وفتحوا بلاد العراق وفارس، ومنهم الروم الذين حرر الصحابة منهم بلاد الشام ومصر، وباقي الأقوام الذين هزمهم الصحابة والتابعون في خراسان والهند والصين والترك وإفريقية والأندلس وغيرها.

وتشمل الآية الأقوام الآخرين الذين حاربهم المسلمون وانتصروا عليهم، مثل الصليبيين والتتار وغيرهم.

فالوعد القرآني في الآية مستمر، يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، وعلينا أن نعممه على جميع المعارك والحروب بين المسلمين والكافرين، على اختلاف الزمان والمكان، بعد ذكر الذين انطبقت عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك لم يعين الإمام الزهري قومًا محدّدين في الآية. وقال: (قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ) : لم يأت أولئك بعد!. [تفسير ابن كثير: 4/ 184] .

الوعد بالغنائم من الكفار:

ثانيًا: قوله تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا، وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا، وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الفتح: 20 - 23] .

الخطاب في هذه الآيات للصحابة، الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، تحت الشجرة، قُبيل صلح الحديبية، فأخبرهم الله في الآية السابقة أنه رضي الله عنهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: 18] .

وفي هذه الآيات الأربع وعود من الله للمؤمنين بالنصر والتمكين، وهزيمة أعدائهم الكافرين، وأخذهم الغنائم منهم.

إن قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا) وعد قرآني باستمرار المعارك بين المسلمين والكافرين، وبانتصار المسلمين عليهم، وأخذهم الغنائم الكثيرة منهم، على اختلاف الزمان والمكان.

وقد تحقق هذا الوعد القرآني الصادق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتوحات الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين، وزمن الأمويين والعباسيين، وكل المعارك الإسلامية الظافرة بعد ذلك.

ولذلك قال التابعي مجاهد: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا) : هي جميع المغانم إلى اليوم. [تفسير ابن كثير: 3/ 185] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت