سورة الفتح مدنية، نزلت في أعقاب صلح الحديبية، الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش، في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، بعد أن حالت بينه وبين أداء العمرة، هو وأصحابه، على أن يعود في العالم التالي لأداء العمرة.
وقد اعترض كثير من الصحابة على بنود الصلح، واعتبروها مجحفة بحق المسلمين، فأنزل الله سورة الفتح، بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم عائدًا بأصحابه من الحديبية إلى المدينة، وأزال فيها ما علق في نفوس الصحابة من نظرة سلبية للصلح، واعتبره فتحًا مبينًا، ووعد المسلمين وعودًا صادقة بانتصارهم، وهزيمة أعدائهم، والتمكين لدينهم.
صلح الحديبية فتح مبين:
اعتبرت الآية الأولى من السورة صلح الحديبية فتحًا مبينًا. قال تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) [الفتح: 1] .
والمراد بالفتح المبين في هذه الآية صلح الحديبية، ووردت أقوال عن الصحابة في ذلك.
روى البخاري [برقم: 4150] عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:"تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ..".
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية.
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ما كنا نعد الفتح إلا صلح الحديبية.
واعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة خيرًا مما طلعت عليه الشمس، لما فيها من الوعد والبشرى بالفتح [تفسير ابن كثير: 4/ 177] .
روى البخاري [برقم: 4833] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزلت علي الليلة سورة، هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) .
وعد الله المسلمين بفتح مكة، وحقق فيها وعده، حيث تم فتح مكة بعد أقل من سنتين من نزول السورة، حيث كان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة.
وفي سورة الفتح آيات قدمت وعودًا وبشريات للمسلمين، منها:
الوعد بقتال كفار أولي بأس شديد:
أولًا: قوله تعالى: (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: 16] .
تخلف بعض الأعراب وضعاف الإيمان عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد في سبيل الله، هربًا من تكاليف الجهاد.
وفي هذه الآية أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الذين سبق أن تخلفوا عنه أن الجهاد مستمر، والمعارك مع الكفار دائمة لا تتوقف.
والوعد في قوله تعالى: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) .
وهو يشير إلى غزوة -أو غزوات- ضد كفار أقوياء، أولي بأس شديد وقوة كبيرة، وسيقاتل المسلمون هؤلاء الكافرين، وسينتصرون عليهم، ويهزمونهم ويزيلون قوتهم.
وقد اختلف المفسرون في تعيين هؤلاء الكافرين أولي البأس الشديد. وذكر خلاصة أقوالهم في ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره:
قيل: إنهم قبيلة هوازن العربية الكافرة .. وقيل: إنهم قبيلة ثقيف المقيمة في الطائف، وقيل: إنهم بنو حنيفة المقيمون في اليمامة .. وقيل: إنهم الروم .. وقيل: إنهم الفرس والروم معًا .. وقيل: إنهم أهل الأوثان .. وقيل: إنهم الترك والأكراد .. وقيل: إنهم رجال أولو بأس شديد، ولا تعيين لهم .. وقيل: لم يأت أولئك القوم بعد! [تفسير ابن كثير: 4/ 184] .