الصفحة 5 من 28

3)دراسة علم الواقع مصدر لتوسيع خيارات القرار بالنسبة لقيادي العمل الإسلامي:

يقول علماء الإدارة: كلما نجمع معلومات اكثر عن القضية التي نريد اتخاذ قرار فيها كلما اقتربنا اكثر من صوابية القرار، ومن هنا تأتي أهمية علم الواقع بالنسبة للقياديين في العمل الإسلامي، وذلك أن القيادي يتعرض دائمًا لاتخاذ قرارات، وأحيانًا قرارات حاسمة كالهجرة، أو فتح جبهة قتالية، أو تغيير سياسية، ومعظم هذه القرارات مرتبطة بالواقع، وبالتالي فهو بحاجة ماسة إلى المعلومات عن الواقع إذا أراد اتخاذ قرارات صائبة ناصحة لرعيته.

ومخابر تحليل الواقع هي الكفيل المثالي الوحيد لهذه المعلومات، وليس الثقة العمياء بالنفس، وليس كذلك الإلهام والحدث الذي يجر إلى ويلات أحيانًا لفساد الذوق الإيماني في هذا العصر.

ومن هنا ندرك مدى سطحية اتخاذ القرارات عند كثير من قيادي العمل الإسلامي لأنها تنطلق من معلومات بسيطة، أو حتى أحيانًا قرارات ارتجالية لا تمس للواقع بصلة.

4)أهمية علم الواقع للداعية والعالم:

بالإضافة لما سبق فهناك أهمية ثانوية لدراسة علم واقع تتعلق بالداعية: وهو ما يسمى العلم بحال المدعو، فكلما كان الداعية عالمًا بحال المدعوين، استطاع اختيار الأسلوب المناسب لهدايتهم ودعوتهم.

وكذلك الحال بالنسبة للعالم الذي يتصدر للفتوى، فهو بحاجة ماسة لفهم الواقع فهمًا صحيحًا، بالإضافة لحاجته لأصول الفقه، حتى لا تخرج عنه فتاوى مضللة للأمة، ويا للأسف فإننا نرى في الواقع كثير ممن يتصدر للفتوى، وهو جاهل جهلًا مركبًا بحال الواقع والمؤثرات فيه، والمصيبة تزداد سوءًا عندما تجده يعرض عن دراسة الواقع ولا يريد أن يتعلمه، كالنعامة التي تدس رأسها بالتراب عند رؤية الأعداء. [1]

لا نزال نعيش في ساحة العمل الإسلامي حالة من الأعراض عن فهم الواقع والعلم به نتيجة لدعاوى كثيرة، منها الظن بأن فقهم النصوص وحده يكفى للعمل بها أو أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ومنها أن الواقع شرعي وهو لا يحتاج لتغيير، أو حتى لو أدرك بعض الأخوة العاملين في حقل العمل الإسلامي أهمية دراسة الواقع فتجدهم لا يهتدون للوسائل الصحيحة لدراسة الواقع، وحتى لو اهتدى قسم منهم لهذه الوسائل، لا يتوفر لدى معظمهم القدرة عليها، وحتى لو توفرت القدرة لا يتوافر هامش الحرية لنشر هذه التقارير والأبحاث التي تشخص حال الأمة الإسلامية.

فلا تزال الدراسات في هذا المجال بكر، في حين مئات مراكز البحوث والدراسات في علم الواقع في بلدان النهضة الصناعية.

نحتاج إلى نهضة علمية في هذا الجانب، ولعشرات مخابر تحليل الواقع التي تقدم دراسات لخدمة الأمة الإسلامية، وللدفاع عن الحقيقة والشرع، وإبرازها للناس، ولترشيد العمل الإسلامي والقياديين فيه، ولاختيار المنهج المناسب لجماعة المسلمين، ولاختيار الوسائل المناسبة لهذه المناهج، ولكشف وفضح مكائد الأعداء، والتحقق بالرؤية الاستراتيجية التي تفقه الحاضر، وتستشرف الماضي، وتبصر المستقبل، وتدرك العواقب والتداعيات المترتبة على فعلها، فتفكر كثيرًا: متى وكيف ولماذا تُقْدم؟ ومتى ولماذا تُحجم؟

إن البدء في أية عملية للتنمية والنهوض والارتقاء لا بد أن تأخذ في اعتبارها هذا الواقع وأن لا تتجاهله، لأن تجاهل الواقع والقفز من فوقه وعدم أخذه بعين الاعتبار هو استنباتٌ للبذور في الهواء بدل زرعها في الأرض ..

فهذا ثغر ينادي من يقف عليه فهل من هبة شجاعة واعية في ذلك، يا أخوتي الموحدين.

(1) سوف نفصل القول في علماء السوء وصفاتهم والموقف الشرعي منهم في الفصل الثالث من الباب الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت