الصفحة 4 من 28

ولابد كذلك بعد دراسة أجزاء من الواقع من إطلاق الأحكام الشرعية عليه من قبل المختصين والعلماء وتحديد الموقف الشرعي من هذه المؤسسات والدول والهيئات والأشخاص، وليس فقط فهم الواقع بل لا بد من إصدار الحكم الشرعي الصحيح التكييف الموافق للنصوص الشريعة وليس الموافق لترقيعات علماء السوء والسلطان الذين يكيفون الحكم الشرعي مع الواقع، ويحملون لواء الوسطية والتيسير المزعومتين، إن الحكم الشرعي هو الوسطية والحكم الشرعي هو التيسير مهما كان فيه من مشقة، قال صلى الله عليه وسلم: (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) [1] .

وتبرز أهمية إصدار الأحكام الشرعية على الواقع وبيان الموقف الشرعي منه من المختصين في هذا العصر بشكل كبير بسبب التضليل المقصود عن المصطلح الشرعي، والتسويق لمصطلحات جاهلية تضليلية بين المسلمين والرعاع من الناس، فالجهاد أصبح الإرهاب، والربا أصبح العائد الاستثماري وضرورة العصر، والاحتلال أصبح تحرير وتنوير بالديمقراطية، والطاغوت أمام الكفر أصبح أمام المسلمين وأمير المؤمنين، وغير ذلك من القائمة السوداء من المصطلحات التي تزيف الحقائق وتقلب الباطل وهي لعبة الإعلام القذرة التي تمكن لعروش الطواغيت.

فواجب على الأخوة العاملين في الساحة تخصيص لجان للدفاع عن المصطلح الشرعي وبيان الحقيقة وكشف زيف هذه الألاعيب.

إن إصدار الأحكام الشرعية من المختصين على هيئات الواقع ومؤسساته وأشخاصه .. خطوة شرعية راشدة لوضوح السلوك والموقف تجاه هذه الهيئات، وقد عانت الحركة الإسلامية وويلات وويلات ولا تزال تعاني إلى هذه اللحظة التي اكتب فيها هذه السطور من جرّاء ضبابية الرؤية، والخطأ في تشخيص الواقع، وإطلاق أحكام خاطئة على الواقع أما جهلًا مخجلًا بحقيقة الواقع، أو اتباعًا لهوى ودنيا وتطلعات أرضية.

إن دراسة الواقع دراسة واعية علمية تمنح الدارسين والقياديين في العمل الإسلامي نقطتين هامتين جدًا متعلقتان بعملية التغيير المنشود وهما:

أ- النقطة الأولى: اختيار منهج التغيير الصحيح للواقع:

ولطالما دارت الحوارت والنقاشات بين العاملين في الساحة الإسلامية حول المنهج الصحيح للتغيير، وأنا أقول إن منهج العمل الإسلامي الصحيح للتغيير ليس هو وليد التفكير الداخلي فقط، وكذلك ليس هو وليد النصوص الشرعية فقط، بل لا بد أن يكون وليد النصوص الشرعية مضافًا إليها فقه عميق بالواقع نتيجة مجموعة من الأبحاث والدراسات التي تقوم به مراكز علمية مختصة بهذا الشأن، ليحدث لنا التنزيل الواعي للدين الإسلامي على أرض الواقع وتبدأ عملية التغيير الراشد، وليس التخبط الفاسد الذي يبعدنا عن تحقيق الأهداف.

وما هو منهج العمل الناجح أصلًا إلا الطريق الذي يضم مجموعة من مراحل التي توصل لتحقيق الأهداف بأقل جهد ووقت وطاقة ممكنة.

ب- النقطة الثانية: اختيار وسائل منهج التغيير:

من المعلوم لدى الأخوة العاملين انه لا يوجد منهج بدون وسائل، وأنه لا يكفى فقط صياغة منهج نظري من مجموعة نقاط للوصول للأهداف، بل لا بدّ من أخذ وسائل مناسبة لسلوك هذا المنهج، ولكن الوسائل متنوعة ومتعددة في هذا العصر، فكيف نختار الوسيلة المناسبة؟؟

إن دراسة علم الواقع دراسة واعية هي مقدمة هامة لاختيار الوسيلة المناسبة للتغيير، لأن مساحة العمل التغييري هي في الواقع نفسه، وبالتالي فإن معرفة الواقع تعني اختيار الوسيلة المناسبة لتغيير هذا الواقع، طبعًا ما دامت في دائرة المشروعية، فالغايات لا تبرر الوسائل كما هو مقرر في شريعتنا الغراء لا كما هو في ياسق العصر.

(1) رواه مسلم (5049) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت