الصفحة 93 من 105

وما حكم الله في القومية التي يقول قائلها: النصراني العربي أقرب إليّ من المسلم الباكستاني؟!

ثم .. ألا يرى المسلمون أن عدوهم -حين أراد أن يفرقهم ويمزقهم؛ ليبتلعهم لقما بعد أن عجز عن ابتلاعهم وهم جميع- قد لجأ إلى إثارة النعرات القومية فيهم، فكان له ما أراد من تفريق وتمزيق وتطويق؟!

أفبعد ذلك يشك أحد في أن هذه القوميات على صورتها هذه تنقض لا إله إلا الله؟!

أما الديمقراطية فهي الفتنة الكبرى!

فتنة يقع فيها كثير من الدعاة اليوم كما وقع بعضهم في فتنة الاشتراكية من قبل ..

وما عندي شك في إخلاص هؤلاء الدعاة إن شاء الله -ولا نزكيهم على الله- ولكنهم مع ذلك مخدوعون في هذه الديمقراطية يحسبونها تخدم الإسلام .. ويلتبس عليهم الأمر بسبب الشبه الظاهري بينها وبين"الشورى"التي ألزم الله بها الأمة الإسلامية، فيحسبون الإسلام والديمقراطية شيئًا واحدًا، أو شيئين متجانسين يمكن مزجهما في عجينة واحدة!

وأحسب أن الذي يجذبهم إلى الديمقراطية حتى ليحسبونها هي الصورة التطبيقية لروح الإسلام، هو رقابة الأمة على الحاكم في النظام الديمقراطي ومحاسبتها له، والضمانات التي تكفلها الديمقراطية للفرد إزاء الدولة .. فإذا نظر أولئك الدعاة إلى أنفسهم في وسط النظم الاستبدادية التي تشردهم وتعذّبهم وتقتّلهم قالوا: يا ليت لنا نظامًا ديمقراطيًا يحمي الدعوة ورجالها من العسف والاستبداد!

نعم! ولكن هذا لا يبرر الخديعة بالديمقراطية ..

إن هناك قضية كبرى في حياة المسلم، تنطلق من عقيدته، وتسري في فكره وفي سلوكه العملي .. تلك هي قضية"من المعبود"؟ الله أم آلهة أخرى معه، أو من دونه؟ ويتفرع عنها قضية أخرى لا تقل عنها خطرًا، ولا تقل عنها صلة بأصل الإيمان .. تلك هي قضية"من المشرع"؟

فأما قضية"من المعبود"فيكفي لبيانها في الديمقراطيات أن"حق"الإلحاد مكفول في دساتير تلك الأمم تحت عنوان"حرية العبادة"!

وأما قضية"من المشرع"فالواضح في الديمقراطيات أن حق التحليل والتحريم هو"للأمة"مصدر السلطات، والبرلمان الذي يمثلها، نظريًا على الأقل، بصرف النظر عن كون أصحاب رءوس الأموال هم الثقل الحقيقي وهم أصحاب السلطان من وراء"المسرحية"الجميلة، مسرحية التمثيل النيابي وحرية الاختيار وحرية التعبير [1] ! ولكن إذا أخذنا بالنظرية فالبرلمان هو الهيئة التشريعية العليا، ولا معقب لحكمه ولو أباح الفاحشة -وقد أباحها- ولو أباح الفاحشة الشاذة -وقد أباحها- ولو أباح أي شيء وكل شيء؟

هنا سيقول الدعاة الذين ينادون بالديمقراطية .. لا .. لا .. إنما نقصد الشورى الإسلامية، الملتزمة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والتي تجتهد في المصالح المرسلة ملتزمة بمقاصد الشريعة ..

ولا شك عندي أنهم يقصدون ذلك!

ولكني أقول لهم -مخلصًا- إن الذي ينادون به ليس هو الديمقراطية .. إنما هو الإسلام! وليس له اسم إلا الإسلام!

(1) اقرأ إن شئت فصل"الديمقراطية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت