الصفحة 17 من 105

(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [1] .

كان في تقدير الله أن تكون الأمة التي تحمل الرسالة الخاتمة هي أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن تكون هذه الرسالة موجهة إلى البشرية كافة، وأن يكتمل فيها الدين، وأن تتسع لكل احتياجات البشرية إلى قيام الساعة .. وأن يكون هذا كله مرتبطًا في حياتها بلا إله إلا الله ..

إن لا إله إلا الله -كما رأينا في التمهيد السابق- تعني عبادة الله وحده بلا شريك، والالتزام بما جاء من عند الله. ورأينا في التمهيد كذلك أن مقتضيات هذا الالتزام قد ظلت تنمو مع نمو البشرية- وإن بقي المبدأ واحدًا لا يتغير- حتى جاءت الرسالة الخاتمة، فبلغت المقتضيات نموها الأخير، وقال تعالى:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [2] .

فتعددت هذه المقتضيات وتشابكت، لتشمل جوانب الحياة كلها، ولتشملها متكاملة مترابطة، فأصبحت هي منهاج الحياة الذي يريد الله للبشرية أن تسير عليه، لتنعم به في الدنيا، وتنال رضوان الله في الآخرة، يوم يقول الله لهم: (هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [3] .

ولأن"لا إله إلا الله"-في الرسالة الأخيرة- قد حملت من المقتضيات- أو سمِّها التكاليف- ما لم تحمله في أية رسالة سابقة، فقد لزم في تقدير الله أن تكون وثيقة جدًا وعميقة جدًا في حس الأمة التي تحملها، حتى تكون كفئًا للمهمة الضخمة المنوطة بها، لا في حياة الأمة المسلمة ذاتها فحسب .. بل في حياة كل البشرية، حيث عُلِمَ من كتاب الله أن هذه الأمة لم تُخْرَج؛ لتستقيم على أمر ربها في ذات نفسها فحسب- كما كان المطلوب من الأمم السابقة كلها- ولكن لتكون رائدة وشاهدة على كل البشرية.

من أجل هذا يوثّق القرآن"لا إله إلا لله"في قلب هذه الأمة، ويعمّق غرسها، ويُمَتِّن ارتباطاتها، ويجعل هذا جزءًا من خيريتها التي كتبها الله لها: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .. ) [4] .

بكل الوسائل والأدوات يتم التوثيق، ويتم التعميق ..

مرة بعرض آيات الله في الكون، الدالة على عظمته وقدرته وعظيم سلطانه:

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [5] .

(1) الأنعام: 134.

(2) المائدة: 3.

(3) المائدة: 119.

(4) آل عمران: 110.

(5) فصلت: 9 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت