والدين المعزول عن السياسة، وعن حكم"المؤسسات"السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية .. قد يكون أي دين إلا أن يكون هو الدين المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-! أما الدين الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو الذي قال الله فيه:
(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [1] .
وهو الدين ذو المقتضيات التي بيناها في الفصل السابق وسميناها: المقتضى الإيماني، والمقتضى التعبدي، والمقتضى التشريعي، والمقتضى الأخلاقي، والمقتضى الفكري، والمقتضى الحضاري، والمقتضى التعبيري .. وكل"مذهب"يريد أن يحصر الدين في مقتضاه الإيماني وحده، أو مقتضاه التعبدي، أو مقتضاه الأخلاقي دون بقية المقتضيات وخاصة المقتضى التشريعي فهو مناقض للا إله إلا الله، وهو -على وجه اليقين- دين غير دين الله .. ونقول المقتضى التشريعي خاصة، لأنه أحد الجذور الرئيسية الثلاثة التي تكوّن الإيمان، والتي -حين تنقض كلها أو واحد منها- لا يبقى بعدها شيء من الإيمان [2] .
والعلمانيون أنفسهم يعلمون في دخيلة أنفسهم وهم يحاربون تطبيق الشريعة أشد الحرب أنهم يقوضون هذا الدين من أساسه، وإن ضحكوا على الناس وقالوا: نحن لا نحارب الدين، لأنهم يعلمون أنهم حين ينقضون عروة الشريعة تنتقض بعد ذلك تلقائيًا بقية عرى الدين!"فأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن نقضا الصلاة" [3] !
أما القومية -وخاصة العربية- فذات بريق عند فريق من الناس، يقولون: ما التعارض بين أن يحتفظ الإنسان بقوميته ويعمل من أجلها، وأن يحتفظ بدينه ويعمل له؟ والعرب الذين يعتنقون القومية خاصة ذوو دعوى ظاهرها حق -ولكنه حق يراد به باطل- أن العرب هم الذين حملوا الإسلام ونشروه في ربوع الأرض، فما الضرر في أن يكون الإنسان معتزًا بدينه ومعتزًا بعروبته؟!
وكون الإنسان عربيًا، أو تركيًا، أو هنديًا، أو أندونيسيًا، أو ما شاء الله له أن يكون مسألة تتعلق بالمولد في قوم معينين، يقطنون أرضًا معينة، ولهم لسان معين .. وتلك مسألة لا إرادة للإنسان فيها، ولا يتدخل الإسلام في شأنها، ولا يقول لأحد اقطع انتماءك إليها. وقد ظل سلمان -رضي الله عنه- يسمى في الإسلام"سلمان الفارسي"، وصهيب يسمى"صهيب الرومي"وبلال يسمى"بلال الحبشي"؛ لأن هذه الانتماءات ذاتها اصطبغت بالإسلام، فأصبحوا كلهم مسلمين، وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم وأصولهم .. فلم تعد تلك الانتماءات حاجزًا يعزل أحد المسلمين عن الآخر، أو يفصله عنه، أو يثير في نفسه شيئًا يعتز به خلاف الإسلام.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) [4] .
أي بكافتكم، وبكافة كل واحد منكم .. بكيانه كله لا يبقى منه شيء خارج الإسلام .. فصاروا كلهم مسلمين، يقفون كلهم تحت راية لا إله إلا الله، ويشعرون كلهم بالانتماء إلى تلك الراية الواحدة:
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [5] .
فلما كانت كذلك لم يكن فيها ضير ..
أما حين شغب ذلك اليهودي الخبيث؛ ليثير الفرقة والبغضاء بين الأوس والخزرج بعد أن وحد بينهما الإسلام، فقد خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم غاضبًا يقول: أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟! دعوها فإنها منتنة ..
وهذا هو الميزان ..
فما وضع قوميات اليوم في هذا الميزان؟! ألله هي؟! أللإسلام هي؟! أم لتفرقة المسلمين بعضهم عن بعض، وإثارة الفرقة والبغضاء بين بعضهم وبعض؟!
(1) الأنعام: 162 - 163.
(2) راجع الفصل السابق.
(3) سبقت الإشارة إليه.
(4) البقرة: 208.
(5) الأنبياء: 92.