الصفحة 91 من 105

"إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن دره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع" [1] .

والقضية في أصلها واحدة، وإن كانت ذات وجهين متقابلين ..

فإذا كان الذين يشرعون بغير ما أنزل الله قد نقضوا لا إله إلا الله، لأنهم جعلوا من أنفسهم أندادًا لله، الله يقول وهم يقولون غير ما قال، والله يحكم في الشيء فيحلله، أو يحرمه، وهم يحكمون حكمًا غيره، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله .. إذا كانوا هم قد نقضوا لا إله إلا الله بصنيعهم هذا، فالذين يرضون هذا الصنيع ويتبعونه قد جعلوا من هؤلاء المشرعين أندادًا لله، فنقضوا بذلك لا إله إلا الله، التي تقضي بأنه لا أنداد له سبحانه ولا شركاء. ذلك بأنهم كأنهم قالوا: لقد قال الله وقال هؤلاء غير ما قال الله، ونحن ارتضينا ما قاله هؤلاء من دون الله. وقد حكم الله فأحل وحرم، وحكم هؤلاء فحرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وقد ارتضينا نحن حكمهم واتبعناه!

وليس كلهم بالطبع يقول ذلك .. فمنهم من يقول: كنا نظن أن للحاكم أن يبطل العمل بالشريعة إذا اقتضت الظروف ذلك! ومنهم من يقول: كنا نظن أن للحاكم أن يغير الأحكام؛ لتناسب الظروف! وأن هذا من"الاجتهاد"المباح له!! ومنهم من يقول: إن الحاكم"مضطر"أن يصنع ذلك؛ لأنه لا يملك القوة التي يواجه بها أعداء الإسلام .. ومنهم .. ومنهم [2] ..

ولسنا هنا بصدد"فرز"هذه الظنون، والبحث في أيها يُقْبَل عذرًا عند الله وأيها لا يقبل، لأننا لسنا بصدد الحكم على قائليها .. إنما هدفنا كما قلت أن نبين للناس الحقيقة، ليتخذوا على ضوئها مواقفهم ..

والحقيقة التي تتبين من الكتاب والسنة أن التشريع بغير ما أنزل الله ناقض للا إله إلا الله، وأن الرضا بشرع غير شرع الله ناقض للا إله إلا الله، وأن أضعف الإيمان في هذه القضية هو المجاهدة بالقلب"ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن"وقد يكون -مع إيمانه- آثمًا، إذا كان في وسعه المجاهدة بما هو أكثر من ذلك ولم يفعل، ولكنه رغم تقصيره لا يخرج من دائرة الإيمان ما دام يجاهد بقلبه. وأن الإنكار بالقلب -الذي هو أضعف الإيمان- ليس معناه أن يرفع الإنسان كفيه إلى السماء ويقول: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك، ثم ينغمس فيه! إنما مقتضاه -كما قال الغزالي- ألا يشارك الإنسان في ذلك المنكر ولا بمجرد الحضور فيه ما دام غير مقهور على الحضور فيه!

أمر آخر يتصل بقضية التشريع بغير ما أنزل الله، وهو ناقض كذلك للا إله إلا الله، هو اعتناق"مذهب"من المذاهب التي تبعد الدين عن الحياة، أو تحصره في زاوية ضيقة منها، كالشيوعية والاشتراكية والعلمانية والقومية .. والديمقراطية!

وربما لم تكن الشيوعية ولا الاشتراكية اليوم في حاجة إلى بيان بعد سقوطها"المبين"في ساحة المذاهب .. وإن كنت ما زلت أعجب لرجل -طيب مفرط في الطيبة رحمه الله- قال ذات يوم وهو في موضع قيادي من العمل الإسلامي: لا نكفر أحدًا قال لا إله إلا الله ولو كان شيوعيًا رحم الله القائل وغفر له ..

كلا، لا تحتاج الشيوعية ولا الاشتراكية إلى بيان ..

ولكن العلمانية والقومية، والديمقراطية بالذات تحتاج إلى بيان [3] ..

العلمانية ذات دعوى عريضة أنها لا تناقض الدين ولا تحاربه .. إنما هي فقط تفصل الدين عن السياسة!!

(1) رواه مسلم.

(2) فندت هذه الأباطيل كلها في كتاب"حول تطبيق الشريعة"فليرجع إليه من أراد.

(3) ناقشت هذه المذاهب كلها تفصيلًا في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت