الصفحة 59 من 105

إنها كلها علوم تعتمد على نظرة الإنسان إلى نفسه، ورأيه في مقومات حياته ..

وما يسمى"العلوم الإنسانية"حاليًا في الغرب متأثر كله بالنظرة الداروينية الحيوانية إلى الإنسان، سواء منه علوم التربية وعلم النفس والتاريخ والأدب والاقتصاد والجغرافيا البشرية ..

والمشكلة في تلك العلوم مزدوجة .. فهي ليست فقط ذات قاعدة داروينية في نظرتها إلى الإنسان، ولكن أصحابها يزعمون إلى جانب ذلك أنها أصبحت -مع تقدم البحث العلمي- علومًا بحتة، يجب التسليم بنتائجها كما يحدث في العلوم البحتة سواء بسواء! وتشتد هذه الصيحة بصفة خاصة بالنسبة لعلم الاقتصاد، والأبحاث النفسية والتربوية .. وإن كانت أخف من ذلك بالنسبة لبقية العلوم ..

والمسلم على أي حال -بمقتضى المنهج الفكري الذي يستمده من الكتاب والسنة- يرفض كلا الاعتبارين: يرفض النظرة الداروينية الحيوانية إلى الإنسان، ويرفض اعتبار ما تنتجه الأبحاث الغربية في الاقتصاد وعلم النفس والتربية والتاريخ .. الخ علومًا بحتة، نتائجها نهائية لا تحتمل الجدل!

خذ مثالًا بسيطًا من علم الاقتصاد ..

يبدأ الدرس الأول في علم الاقتصاد الغربي بقولة منكرة: أن المشكلة الاقتصادية هي مشكلة الندرة!!

سبحان الله! الله يقول عن الأرض: (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .. ) [1] وهم يقولون إن المشكلة هي مشكلة الندرة!

وكذبوا .. إن المشكلة هي مشكلة الإنسان! الإنسان الجاهلي الذي يريد أن يستمتع بغير حد، والذي يرفض التشريع الرباني، ويستعبد القوي منه الضعيف، فتبدو الأقوات أقل من حاجة البشر .. فيتقاتلون .. ويعيش كثير من الناس تحت المستوى، لأن فئة قليلة تعيش على مستوى الترف الفاجر، وتستهلك جهد المستضعفين وأقواتهم، سواء في الدولة الواحدة، أو بين الدول المختلفة بعضها وبعض ..

والمشكلة الاقتصادية الحقيقية ليست ندرة الأقوات .. وإنما هي ضرورة تهذيب الإنسان ليتعامل مع رزق الله بما يرضى الله .. ولن يصنع ذلك حتى يؤمن بالله واليوم الآخر، ويرتب أمور حياته على أساس هذا الإيمان!

وخذ مثالًا آخر ما يتصايحون به من أخطار الانفجار السكاني سنة 2000، أو في القرن الحادي والعشرين!

والعلم .. العلم البحت ذاته .. يقول: إن ما استغل من خيرات البحار حتى اليوم لا يزيد على عشر ما يمكن أن يستخرج منها، وإن الأرض بيابسها ومائها تتسع لأضعاف أعداد البشر الذين يسكنونها اليوم، حين يحسنون استغلالها .. إنما هي صيحات خبيثة يطلقها الرجل الأبيض، ليطالب الرجل الملون بتحديد نسله المتزايد، لكي لا يزاحمه في متعته الفاجرة التي اختلسها في غفلة من الرجل الملون، والتي يخشى اليوم ضياعها حين يثور الرجل الملون ذو النسل المتزايد على من سلب أقواته، ويطالبه برفع يده عن مقدراته .. وتأخذ الصيحة الخبيثة شكل"العلم الموضوعي"، وتدرس في الجامعات!

وخذ مثالًا من علم النفس ..

يدعي علماء النفس اليوم أنهم أصبحوا"تجريبيين".. ومن ثم فالنتائج التي يصلون إليها نتائج"علمية""موضوعية"تؤخذ بالتسليم كما تؤخذ العلوم البحتة ..

ويضع المفكر المسلم أمام ذلك ثلاثة اعتراضات"علمية"..

الاعتراض الأول: أي عناصر الكيان النفسي هي التي يمكن إدخالها المعمل، وإجراء التجارب عليها؟ أهي الأمور الحسية، أو القريبة من الحسية، أم هي الأمور المعنوية، وعالم القيم، وهي أثمن ما في الإنسان؟

خذ إنسانًا كان ملحدًا ثم آمن .. ما الذي يستطيع المعمل التجريبي أن يجريه عليه من التجارب؛ ليستخلص حقيقة الإيمان، وكيف يتم في داخل النفس، وكيف يؤثر في المشاعر والأفكار والتصرفات؟!

(1) فصلت: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت