الصفحة 58 من 105

وفرق في الحس بين النظر إلى الكون على أنه مجرد أجرام سماوية، وإلى الكائنات الحية على أنها مجرد أنواع من الحياة، وبين الشعور بأن بينها رباطًا يربطها جميعًا هو التوجه إلى الله وتسبيحه ..

إحدى النظرتين تحصر الإنسان في محيط ما تدركه الحواس، والأخرى تفسح مجال"الرؤية"أمامه فتشمل ما يرى وما لا يرى، وما تدركه الحواس وما لا تدركه .. فتتسع آفاقه، وتتسع اهتماماته، وينعكس ذلك على علاقات أفراد النوع البشري ذاته، فلا تنحصر في"الماديات"إنما تتسع، لتشمل كذلك"المعنويات"..

وأمر ثالث .. تعرض له العلم الحديث، ولكنه لم يزل قليل التأثير في القلوب التي صلّدتها النظرة المادية الحسية التي تبنتها الجاهلية المعاصرة، فأفسدت كل تصوراتها ..

إن النظام الدقيق الذي يربط الكون ليس مجرد نظام"ميكانيكي"كما كان"العلم"ينظر إليه ..

إن وراءه تدبيرًا ..

وإن هذا التدبير ذو صلة بالإنسان بالذات ..

فحركة الأرض، سواء دورانها حول نفسها أو دورتها أمام الشمس، والمسافة بينها وبين الشمس، والمسافة بينها وبين القمر، وتركيب الغلاف الجوي المحيط بها، وتوزيع المياه على سطح اليابسة، ودورة الكربون في جوها، ودور النبات في إفراز الأكسجين في ضوء النهار .. الخ .. الخ .. كلها"محسوبة"بمقادير دقيقة غاية في الدقة، لتلائم حياة الإنسان!

ولو اختلت أي نسبة منها بالزيادة، أو بالنقص كما ينذر اتساع فتحة الأوزون لحدثت من جراء ذلك نتائج مدمرة بالنسبة لحياة الإنسان على الأرض!

ما أبعد الفارق بين الإحساس بفضل الله وتدبيره في تسخير نظام كوني بأكمله من أجل تيسير حياة الإنسان على الأرض، وبين الظن بأن كل شيء في عمل"الطبيعة"يجري خبط عشواء!

(اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [1] .

وعلى الرغم من أن العلم ذاته هو الذي دل على هذا التناسق الرائع بين النظام الكوني ومتطلبات حياة الإنسان، فما زال على قلوب أقفالها:

(قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) [2] .

العلم هو العلم .. ولكن هناك فرقًا في طريقة تقديمه ..

ذلك فيما يسمى"العلوم البحتة"..

وحتى هذه"العلوم البحتة"فالنظريات فيها أكثر من الحقائق العلمية .. والعالم المسلم يرفض ابتداء كل نظرية تخرج مشيئة الله من أمر الخلق، وتخرج تدبيره وهيمنته من تفسير الظواهر العلمية.

ومن ثم فليس كل ما يقال باسم"العلم"مقبولًا عند المسلم، ولو طارت به الآفاق، وطنطن به المطنطنون كنظرية دارون التي لم تزد في الحقيقة على أن تكون فرضًا علميًا، ولكنها راجت في فترة من الفترات حتى ملأت أرجاء الأرض، واعتبر من يرفضها متأخرًا جاهلًا .. حتى ظهرت اليوم"نظريات علمية"جديدة تكذب فكرتها الأساسية وتعطي تفسيرات جديدة لظهور"الإنسان" [3] ..

أما بالنسبة لما يسمى"العلوم الإنسانية" [4] فالشقة أوسع بكثير ..

(1) الجاثية: 12 - 13.

(2) يونس: 101.

(3) راجع كتاب"ما أصل الإنسان"تأليف موريس بوكاي ترجمة مكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض 1406هـ.

(4) لا يجوز للمسلمين ابتداء أن يستخدموا اصطلاح"العلوم الإنسانية"على الطريقة الغربية، فليس المقصود بها في المصطلح الأوربي"العلوم المتعلقة بالإنسان"إنما المقصود هو"العلوم التي يؤخذ العلم فيها من الإنسان وليس من الله!".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت