الصفحة 57 من 105

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [1] .

ما أبعد هذه الرؤية -من جميع الوجوه- عن قولة من يقولون إن الكون خلق بلا خالق! أو إنه وجد مصادفة! أو إنه أزلي أبدي موجود دائمًا فلا يحتاج أن"يُخْلَق"!

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ) [2] .

حين يكون الكون قد وجد مصادفة، والحياة وجدت فوقه مصادفة، والإنسان ظهر على سطح الأرض مصادفة .. فما الذي يربط ذلك الإنسان بأي شيء في الوجود؟ وما الذي يربطه -بالذات- بأي نوع من أنواع"القيم"؟ وكيف يكون لحياته هدف وهو قد وجد في الأصل بلا قصد ولا هدف؟! وكيف يكون له في النهاية"أخلاق"؟ وما معنى الأخلاق بالنسبة لكائن لا هدف له؟!

أرأيت كم تختلف النظرة، وكم تختلف نتائج النظرة بين من يؤمن بأن الله هو الخالق البارئ المصور، وبين من يؤمن بأن"الطبيعة"خلقت كل شيء، وأنها تخبط خبط عشواء؟!

إنه فرق هائل يشمل كل شيء في منهج الحياة ..

حين تنقطع صلة الإنسان بالخالق الذي خلقه وخلق الكون والحياة، وتنطمس بصيرته عن الهدف من خلقه فما الفرق بينه وبين السائمة، إلا أنه أضل منها:

(أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [3] .

سيجد نفسه قد وجد على الأرض، وآخرون من نوعه معه، وفي نفسه رغبة في المتاع، وفي نفوس الآخرين كذلك، فيتصارعون أيهم يفوز بقسط من المتاع أكثر .. فيصبحون كالأنعام. ولكن الأنعام تهديها غريزتها وتحميها من الدمار. أما الإنسان حين يتخلى عن قيمه العليا ويعيش على مستوى الغريزة، فإنها تضلله ولا تحميه، لأنها تفقد"الضابط"الذي يضبط الانطلاق.

في حس المؤمن حقيقة أخرى عن الكون والحياة والإنسان، إلى جانب أنها كلها من خلق الله ..

إنها كلها -ما عدا فريقًا من البشر- عابدة لله، مسبحة له ..

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... ) [4] .

(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [5] .

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) [6] .

(وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) [7] .

(1) فصلت: 9 - 12.

(2) الطور: 35 - 36.

(3) الأعراف: 179.

(4) الحج: 18.

(5) الإسراء: 44.

(6) النور: 41.

(7) الرعد: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت