الصفحة 60 من 105

الاعتراض الثاني: إنه من المسلم به في التجربة"العلمية"أن تكون العينة المفحوصة ممثلة للنوع، حتى يمكن تعميم النتائج المستخلصة منها على النوع كله. فهل يتحقق هذا في تجارب علم النفس.

ودع عنك الآن ما يحدث من عشوائية في اختيار العينة، مقصودة لأهداف"علمية"! فمن أين نختار عيناتنا؟ أليس من هذا الجيل الذي يعيش اليوم على سطح الأرض؟ فهل هذا الجيل -في اهتماماته وقيمه وتوجهاته وأفكاره ومشاعره وأخلاقياته- يمثل النوع البشري كله خلال الأجيال كلها، حتى تكون النتائج المستخلصة من التجارب المجراة عليه صالحة لإطلاقها على النوع البشري كله، وتفسير الكيان النفسي"للإنسان"على أٍساسها؟!

وما قولهم في جيل الصحابة -مثلًا- رضوان الله عليهم؟ أليسوا واقعًا بشريًا يمكن أن تستخلص منه"معلومات"عن النفس الإنسانية في حالة رفعتها وصفائها؟!

والاعتراض الثالث: أنه إذا كان علم النفس قد أصبح علمًا بحتًا كما يزعمون، فلماذا تختلف مدارس علم النفس المختلفة في تفسير التجربة المعملية الواحدة .. وفي نفس الجيل؟!

كلا! ما أبعد علم النفس عن أن يكون علمًا بحتًا، وما أبعد النتائج المستخلصة من تجاربه الحالية عن أن تعطى تفسيرًا شاملًا للكيان النفسي في شموله وترابطه وتكامله ..

وخذ علم التاريخ ..

إن الوقائع التاريخية قد تتفق ما بين مؤرخ ومؤرخ إذا تحدث المصادر المتاحة لتحقيق الواقعة والتقت وجهات النظر في درجات وثاقتها ..

ولكن المهم في دراسة التاريخ ليس تحرير الوقائع فحسب، إنما الأهم من ذلك تفسيرها، ثم إصدار الحكم عليها. وهنا تختلف المناهج فيما بينها بحسب نظرتها إلى"الإنسان".. ما هو؟ ما تكوينه؟ ما حدود طاقاته؟ ما دوره في الأرض؟ ما العوامل المؤثرة فيه؟ ما موقفه من الضغوط الواقعة عليه؟ ما السنن الجارية في حياته؟

وهنا يبرز المؤرخ المسلم بمنهجه الخاص، المستمد من كتاب الله وسنة رسوله، ويكون له تفسيره الخاص للأحداث، وتقويمه الخاص للإنجاز البشري حسب معاييره الخاصة [1] .. وليس أقل الخلاف بينه وبين غيره من المؤرخين أن يسمي الأشياء بأسمائها في المصطلح الإسلامي، فما قال الله عنه إنه جاهليات هو في عرف التفسير الإسلامي للتاريخ جاهليات، وإن سميت"حضارات"فهي"حضارات جاهلية"على أي حال، ومن ثم يقول المؤرخ المسلم: الجاهلية الفرعونية، والجاهلية الرومانية، والجاهلية الإغريقية، والجاهلية الفارسية، والجاهلية الهندوكية، والجاهلية البوذية .. الخ ولا يكون الإنجاز المادي وحده، ولا الحربي وحده ولا العلمي وحده هو المعيار الأول لتقويم إنجازات الإنسان في كل تلك"الحضارات".. إنما يكون هناك معيار مقدم على هؤلاء جميعًا: هل أدى الإنسان غاية وجوده التي خلق من أجلها:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [2] .

وخذ الأدب ..

إن للمسلم منهجًا خاصًا في التعبير، وفي تقويم الإنتاج الأدبي والفني، يستمد عناصره من التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، ويلتزم بالقيم الإسلامية .. ويتميز عن غيره من مناهج التعبير ومناهج التقويم التي لا تلتزم بشيء على الإطلاق، والتي تقول الفن للفن، والحياة للحياة، وتسفّ -تحت هذه الشعارات- ما شاء لها الإسفاف [3] ..

لا تتسع هذه العجالة للحديث المفصل .. إنما هي إشارات ..

والقصد من هذه الإشارات هو التركيز على نقطة بعينها .. هي اتصال هذه الأمور كلها بلا إله إلا الله ..

(1) اقرأ إن شئت"حول التفسير الإسلامي للتاريخ."

(2) الذاريات: 56.

(3) سنتحدث في فقرة تالية عن"المقتضى التعبيري"للا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت